Document Title
21/09/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أرض اليمبوس  بتاريخ 2007/03/09
  * اللغة تعيد انتاج الحرب والحب * وأسئلة المنطقة الثالثة * بقلم محمود منير - جريدة الدستور
 
إلياس فركوح في روايته « أرض اليمبوس » * اللغة تعيد انتاج الحرب والحب * وأسئلة المنطقة الثالثة *
اختار الروائي إلياس فركوح أن يكون صاحب فتنة كاملة ، فارتأى "أرض اليمبوس" ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر ودار أزمنة للنشر والتوزيع ، 2007) عنواناً لروايته الجديدة ، معرفاً إياها "بالمنطقة الوسطى - بحسب المفهوم الكاثوليكي - أو الثالثة ما بين الجنّة والجحيم ، وكذلك هي المنطقة حيث تعيش أرواح البررة من غير المؤمنين والخيّرين" ، أما هو فأبدعها أرضاً فسيحة لسؤاله الوجودي ، وحفره المعرفي وللغة ساحرة تلد مزيداً من الأسئلة ، وسرداً ساحراً لا يقاوم. وعى فركوح خياراته التي عكستها عبارته: "لا زلت لا أعرف. لا زلت أكتب" ، وهو بذلك يفتح السرد على مصراعيه مشاركاً قارئه منذ أن خطّ بمثابة التقديم لـ "يمبوسه" مقولة ميغيل دي ثربانتس وهي: "بيد أني لم أقوَ على مخالفة نظام الطبيعة الذي يقضي أن يلد الشيء شبهه ، تاركاً للإنسانية تاريخ ولد جاف هزيل شاذ مليء بالأفكار المتفاوتة لم يتخيلها مثله أحد من قبل".
وقد استفز فركوح مخيلة المتلقي منطلقاً من سؤال القلب ، حيث يعيد انتاج صورة الحب الأول "مريم" في جميع علاقاته وآخرها مع "منتهى ـ ماسة" ، وعليه جاء الإهداء بادئة لبحث لا ينتهي:"إلى كينونه مستحيلة: لطالما تصادى سؤالها في منامي القلق ، ويقظتي الساهية: "أتعرفني؟". "أنت جميعهن". فيفتر ثغرها عن ابتسامة رضا ، بينما يولد في قلبي سؤالي: "أقادر ، وأنت لست سوى أنت ، في أفضل الأحوال؟" احتملت "أرض اليمبوس" قراءتين فهي في متنها الأساس سيرة ذاتية مبنية بطريقة مشوقة من حيث تلك المشهدية المثيرة في بناء الأحداث وتصويرها والدخول إلى الأعماق النفسية في رؤية الذات والآخر والمكان ، والقدرة على استخدام أشكال متعددة من تقنيات السرد ومنها الفلاش باك والمونولوج الداخلي والمذكرات اليومية وغيرها ، حيث استطاع من خلالها الولوج بخفة إلى مناطق حميمة وقريبة إلى الذات.
وفي القراءة الثانية تختفي السيرة الذاتية وراء حفر تاريخي معرفي ، منح النص لذته الاستثنائية ، حيث الأغاني الشعبية المرتبطة بسير الأحداث ومنها :"اليوم العيد وبنعيد" ، "طاق طاق طاقية" ، أو تلك الأغاني التي ولدت من رحم الحروب لتشبع السرد التوثيقي ومن هذه الأغاني: يا يهود يا يهود ـ عيدكم عيد القرود ـ عيدنا عيد المسيح ـ والمسيح بدمه اشترانا ـ احنا اليوم في راحَه ـ وانتو اليوم حزانَه. وسعى فركوح - فيما وراء تلك التوثيقية - إلى ابراز روح الحرب التي تشكل محطات رئيسة سواء في مولد البطل ـ الكاتب في حرب 48 وصياغتها وعيه شاباً في حزيران 67 ومعايشته لحرب الخليج 1991 التي تخلقت في أجوائها هذه الرواية ، وعبّرت جلياً عن مجمل المفارقات الحيّة التي ولدت من تفاعل الناس مع الحرب ومنهم ابنه الصغير الذي تعلم منها معرفة الوقت.
وثّق فركوح في عمله سيرة خضر حسن عمر الشاويش الذي قدم من يافا إلى الأردن لاجئاً ، وهو بذلك يوثق الحرب في أقصى درجات تأثيرها العميق على أحد ضحاياها ، ويتداخل السرد بين رواية خضر لقصته وبين تأملات البطل لمريم التي ظلّت الشاهد والمرجع لمحطات حياته اللاحقة ، ولا يغيب المكان صاحب البطولة الموازية وراصد كل تلك الحكايا ومساحات أخرى وظفت في النص ـ الوثيقة جزءاً أساسياً للكتابة عن الحرب كما اختبرها الكاتب.
من جهة أخرى ، تمكن فركوح من توثيق "مسيحية" البطل فلم تكن كثير من تلك التفاصيل مجرد سرد ، كما في الاسم المقدس الذي سمى به البطل حماية له من مصير قضى على أخ واخت سبقاه إلى الحياة. أو في مشهد اعتراف داوود للخوري سليمان الذي يشكل وثيقة خاصة إضافة لغناها الإنساني ، وجوباً ، ما يكثف النص معرفياً وثقافياً ويقود المتلقي لاكتشاف زاوية مغايرة لتلك المشاهد.
في العودة إلى "مريم" ، يتراءى وجه آخر للنص .. مريم قرين كل الأسئلة التي صاغت مجمل الرواية ، فهي فاتحة العشق ولذة الاكتشاف الأول وهي أم الحكايات - التي لا بدّ من كتابتها قبل أن تموت. فالحكايات ، كأصحابها ، تدفن مع جثامينهم وتنسى ، كرفاتهم ، حين لا يعود سوى الصّبار ينبت فوق قبورهم" (ص: 30) مريم كذلك هي اكتمال الفتنة التي كتبها لنا إلياس فركوح عبر رؤيته الفلسفية المتكررة ، منذ مقولة الأب في الرواية: "لا شيء يكتمل" ، وهو يشيد الحكايا ليقول في ذروة متعتها إنها ناقصة ، يتذرع بذاك النقص ليبدأ حكاية ثانية وثالثة ... وفي كل حكاية مريم جديدة ومتولدة من مريم التي سبقتها، لعبة مجنونة ، باحتراف ، يتشارك فيها الكاتب مع قارئه - دونما استئذان - حيث تنسل المرأة حلماً يتسابق كلاهما لإبداعه لعله يصل لإدراكه ذات يومّ، فيما أبدعه فركوح في "أرض اليمبوس" شخصية الأستاذ نجيب الغالبي أو عزيز رزق الله مقيماً في حواراته الطويلة معه - والتي احتلت المرأة الجزء الأكبر منها - حيث صنّف الغالبي النساء في ثلاثة أنماط ، ذريعة أخرى لنمضي وراء حوارات البطل مع الغالبي والتي استدعت جوانب أخرى لرحلة طويلة بدأت من الحرب وانتهت بالحرب. وبينهما يتم تبادل الحكي ما يعني أن تبادل دور البطولة ، وهو ما اجترحه الكاتب مراهناً على طاقة كامنة داخل اللغة ، طاقة لا تنطفئ.
في "أرض اليمبوس" يعيد إلياس فركوح بلغته المتفردة والساحرة انتاج الزمن الذي مرّ في عمّان ، مكثفاً سيرة حافلة بالأحداث وتداعياتها والأسئلة وتأملاتها ، ونافذاً إلى مساحات ملتبسة: حسية وذهنية ، واللغة هي العنصر الرئيسي والبطل عند فركوح - كما قال هو ذلك يوماً - محلقة بأسئلته ومقيمة اليمبوس. واللغة اختلاف نصه عن الآخرين ، والتصاق نصه به.
 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh