Document Title
26/07/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أرض اليمبوس  بتاريخ 2007/07/28
  في أرض اليمبوس بقلم محمد معتصم
 

رواية "أرض اليمبوس" لإلياس فركوح

Alyambous

Farkouh

إلياس فركوح

محمد معتصم

الناقد الأدبي

في أرض اليمبوس

1/ في لحظة دقيقة جدا تقف الذات أمام السؤال الوجودي القلق. وكأنها ترى إلى نفسها في المرآة، لكن الغريب أنها بالكاد تتلمس ملامحها باهتة كأنها ليست هي ذاتها. فتقع في الحيرة. في منطقة البياض. في المنطقة الحدودية. المنطقة التي تقع في الما بين. بين هنا المعلوم، وهنالك المجهول. والغريب أيضا أن الذات تطلب الحماية. وتستنجد بالذاكرة. بالماضي. بما حدث في الواقع، أو ما حدث في الحلم. أو ما تمنته الذات، ما اشتهت وقوعه.

سؤال الوجود القلق سؤال مرتبط بلحظة وقوف الذات أمام نفسها للاعتراف، أو للتجاوز. هناك من الكتاب من يقف ليعترف، محاولا تطهير الذات، والتخفيف عنها من وطأة الذاكرة. وهناك من يقف للتجاوز، لاختراق لحظة الخوف من المجهول، والدخول في المغامرة، مدفوعا برغبة الاكتشاف والتجدد، والتحول من حياة على أخرى.

والانتقال عند الكتاب عادة ما يكون دخولا في الاستعارة؛ أي الانتقال من حال التحول البنيوي والمادي (Métamorphose) إلى لحظة التحول الافتراضي واللغوي؛ لفظا ومعنى، (Métaphore). هذا الذي نجده في رواية إلياس فركوح "أرض اليمبوس" الصادرة هذا العام (2007) عن دار أزمنة.

2/ أرض اليمبوس هي :" المنطقة الوسط – بحسب المفهوم الكاثوليكي – أو الثالثة ما بين الجنة والجحيم، تودع فيها أرواح الأطفال الأبرياء الذين ماتوا قبل نيلهم المعمودية، لتزول عنهم الخطيئة الأصلية..." ص (5).

إنها منطقة افتراضية، حل وسط. وهي المنطقة التي تتأرجح فيها الذات عندما تكون في مواجهة مصيرها، ويقلقها وجودها الذي تشكل في الماضي وما يزال مستمرا في اللحظة الزمنية، المعروفة بالبياض. اللحظة التي يداهم فيها الخطر الذات. اللحظة التي ترى فيها الذات أنها في البرزخ، وعليها أن تتجشم مخاطرة ومغامرة الانتقال من المعلوم إلى المجهول. أي لحظة الموت. أقصد لحظة شخوص البصر نحو السفينة الراسية على الشاطئ الضبابي. السفينة التي ستنقل الروح عنوة وتفصلها عن جزئها الأرضي والترابي المليء بالخطايا، تلك الخطايا التي تمنح الكائن إنسانيته، الخطايا التي أنضجت الذات، وملأت الروح بالحيوية والحياة.

في هذه اللحظة بالذات وقف محمود درويش راسما جداريته الرائعة، حيث الوقوف في منطقة البياض، بين الهنا والهناك. بين الهنا الذي يشارف الهلاك، والهناك الذي يتوارى خلف الذكريات. وفي هذه اللحظة بالذات يقف سارد إلياس فركوح شاخصا ببصره نحو المجهول، يقول:" ... ولكي أتلافى أن تلتقي عيوننا؛ جعلت نظرتي تثبت في الأعلى. نحو السقف هربتها. ثم انحدرت بي، نظرتي، لتستقر، بلا إرادة مني، على الحائط المقابل حيث لوحة "السفينة". السفينة إياها. سفينة تيرنر الغارقة في أذرع وأحضان الضباب شبه الأحمر: الضباب الملتهب: سفينة الانتظار الجامد. ليست بعيدة عن المرفأ. ليست على رصيفه. لا هي مهيأة للرسو، ولا المرفأ جاهز لاستقبالها.

ثم انتبهت لوخزة الحقنة في ذراعي، وسمعته يقول [الطبيب]:

"استرح الآن. سيجيئون لأخذك بعد قليل"..." ص (228).

3/ لقد عبر السارد عن تلك الوقفة القلقة في الما بين باستعارة صورة السفينة (اللوحة) الراسية في الضباب. الراسية بين الإقامة والرحيل. بين لحظة الوجود الفعلي، والانتقال القسري. وفي لحظة التحول والانتقال يطرح بقوة سؤال المصير، وسؤال الوجود. وتنزل الذاكرة بكل ثقلها. تنزل كسيل جارف. كسيل عمان. كطوفان عمان الذي يوشي عددا من روايات الكاتبات والكتاب في الأردن. لكن السارد اختار التماهي طريقة وصيغة لقول محتوى القصة. التماهي على مستويات عديدة. تماهي الشخوص الروائية، والذي يتمثل في تداخل الأسماء وتبادل الأدوار بين الشخوص الروائية النسائية، حيث تصبح ماسة اسما لمريم، ومنتهى. تتفرق الشخوص لكنها تتداخل في المحكي. تتفرق الشخوص في الاسم وتتوحد وتتكامل في الذاكرة والإحساس عند السارد.

وللتماهي السردي دور مهم في الكتابة التجريبية المعاصرة، كما أوضحت في كتاب سابق عند حيدر حيدر وأحمد المديني، لأنه يمنح الشخوص إمكانية ترميم الحكاية، وبالتالي ترميم ثقوب الذاكرة. كما أن التماهي السردي يخرج بالكتابة من التقليدية والتسلسل المنطقي والتنامي والتطور الموضوعيين الحرفيين إلى الكتابة التجريبية، والتداخل، والتوازي السردي الذي يقوم به الرواة المتعددون بالتناوب. وبهذا يصبح التنامي السردي عبارة عن طبقات من المحكي. يروي السارد الأول عن نفسه بضمير المتكلم، ويردفه محكي ثاني لراو يخاطب السارد الأول يصحح أقواله، ويذكره بما نسيه أو تناساه. وكأن الثاني رقيب على الأول، يضيء عتمة المحكي السابق. لكن اللعبة السردية ليست تكرارا بل هي إضافة سواء على مستوى الصياغة (الخطاب) وقد اعتمد الكاتب على الفرز الكرافي (الخط) بين الصوتين والساردين، أو على مستوى محتوى السرد (المحكي)، بحيث يكونان مختلفين بلجوء الثاني إلى التعليق والتعقيب والنقد والإضاءة والتوضيح. وهذه الإمكانيات والتقنيات السردية التي تعتمدها الرواية التجريبية الجديدة لها وظائف معرفية وجمالية. وإن اتسمت لدى القارئ التقليدي بالتعقيد والتركيب والحشو.

4/ سؤال الوجود القلق والمقلق، وسؤال المصير التراجيدي ساعدا السارد على تحمل عبور المنطقة البيضاء الملتبسة، على مستوى فلسفة الوقائع، والنظر إليها من زاوية الفكر. أي التفكير في الموت/ العالم القادم، والتفكير في "ال(م)وجود" الماضي/ الحياة. لكن اختيار صيغة التماهي السردي، وتدفق الذاكرة، والدخول بالسرد نحو المحكي الذاتي (المحكي السير ذاتي، وتوظيف ضمير المتكلم عند السارد الأول والرئيسي) الحميم حيث تتعاطف اللغة مع الوقائع وتتبناها. لكن على مستوى التلقي غير المتمرس على التجريب في الكتابة يحدث التعقيد والالتباس. وهنا اعتمد الكاتب على تقنية بدت بارزة للعيان، ولا يمكن أن يخطئها الناقد وهي ضرورية لأنها تمنح المحكي المتماهي وجهه الواقعي، وأقصد طبعا ما يصطلح عليه الدارسون البنيويون بالمعينات الزمنية والمكانية، سواء المعينات اللسانية أو المعينات غير اللسانية.

وتسمح هذه المعينات (القرائن) اللسانية بانفتاح السرد على بعد آخر من وعي الشخصية الروائية الرئيسية. مثلا عندما يحدد السارد المحكي بالمعينات التالية: 1967، و1948، و1991؛ حرب الخليج الثانية، حرب الكرامة، النكبة، القدس، عمان، العراق... أو عندما يقف السارد ليصف بدقة أثاث بيت نجيب الغالبي (عزيز رزق الله)، أو وصف ملامح مريم، ونوعية الثوب الذي ترتديه... هذه التقنيات الكتابية مهمة جدا في إبراز مؤهلات الكاتب، وقناعة اختيار التجريب والوعي المستند عليه في إنشاء الخطاب الروائي.

5/ تمنح المعينات اللسانية للسرد بعده الواقعي، كما أنها محددات مهمة في تأطير العالم الروائي، أي الفضاء الذي تتحرك فيه الأحداث والشخوص الروائية (من مقومات القصة). ليس هذا فحسب بل هذه المحددات والمعينات والقرائن ترسم البعد التاريخي للمرحلة، وتحدد حتى الوعي القائم لدى الشخصية المحورية. مثلا تربط الشخصية في صورة مصيرية حتمية وقاهرة تاريخ الولادة بتاريخ النكبة (1948). وهذا المعين الزمني ينوء فيه الفرد (السارد) بحمل الجماعة (الأمة). وهذا أبعد عمق للتعبير عن الفجائعية. وبالتالي يفسر ذلك الإحساس بثقل الذاكرة. فالذات الفردية تحمّل ذاتها هما أكبر من قدراتها. وتثقل على ذاتها ب "المسؤولية" المصيرية؛ سؤال المصير. فالجمع بين الولادة والنكبة حمَّل الذات إحساسا قاهرا بالمسؤولية عن وضعية عائمة وشاملة. لكن بالنسبة للمحكي الذاتي فإنه اكتسب كل الخاصيات التي تجعل منه مؤثرا وفاعلا. ومن تلك الخصائص خاصية الذاتية. التي تنتقل إلى القارئ بعفوية وتجعله هو ذاته مسؤولا عن مصير الأمة وليس الذات فقط.

كما أن هذا الإحساس بالفاجعة، والترابط بين الذاتي والموضوعي، بين الشخصي والتاريخي، بين الأنا والآخر،،، سمح للسارد بإبراز بعض العيوب والنقائص التي لم تدركها الذات في غمر التيار وانجرافه. ولعل أول سؤال وجودي ومصيري في آن، محير اصطدمت به ذات السارد ذلك الموقف غير المفهوم منه كوضع اجتماعي وليس كاختيار مبدئي. أعني أن السارد اختار منذ المبتدأ الانضمام إلى والانتظام في صفوف المقاومين، والمدافعين عن المصير الذي تعيشه فلسطين بعد النكبة، لكن الرفض كان أول خطوة تقود الذات نحو المناطق البيضاء، نحو منطقة الاختلاف والنبذ والتحاشي. وهنا أفضل تدوين المجتزأ التالي للاستشهاد:

"...وحين صلب عودي تماما، وأقدمت على الانخراط في مصنع الرجولة، والبطولة، والفداء، واسترداد الوطن السليب؛ سألوني بريبة ليست فاهمة:

- لست منا، فلماذا تكون معنا ؟

لكني أبيت، واخترت. فسألني الآخرون بدهشة مستنكرة:

- لست منهم، فكيف تكون معهم !

... عندها؛ أرغمت على استحضار خرائط الأرض الحرام، لأحدد لنفسي مكانا فيها. أو لأستقر بينهما. ولما تبينت صعوبة الأمر؛ عدت إلى دروس الدين، ولذت بأرض اليمبوس: ليست جحيما وليست جنة، لكنها تظل جبلا صالحا لأمثالي أطل منه عليهما. أطل منه على العالم." ص (174).

إن أرض اليمبوس بلا معينات ومحددات وقرائن، إنها الأرض الحرام، أرض اللا أحد، أرض البياض والحياد المطلق. لكن المعينات الزمنية والمكانية في السرد الروائي تمنح المطلق حدودا فاصلة، وتمنح عالم الما بين جسدا ماديا. وذلك الفدائي الذي رفض السارد أصبح فيما بعد تاجرا وزاد رصيده. هي اللعبة ذاتها. الجحيم ذاته. ولا تصلاه إلا النفوس التي تقهرها سؤال المصير، لأنه سؤال الأمة. وسؤال الوجود لأنه سؤال الكينونة.

6/ وماذا عن المرأة؟ في الرواية ماء كثير. ورواء وخضرة. إنها المرأة التي تحتمي بها الذات، من سطوة الواقع والذاكرة في آن. المرأة في الرواية تمنح المنطقة البيضاء خضرتها ورواءها؛ مريم الطفولة، وماسة/ الماسات، ومنتهى. مريم الحضور والغياب، مريم الخطوات الأولى للوعي بالجسد، مريم نقش في الذاكرة، مريم الغياب الذي أحدثته النكبة، مريم اللقاء بعد ثلاثة عقود، وماسة التي تحتوي كل النساء، ومنتهى التي تعيد للسان طبقته الخام، بعيدا عن الاستعارة، وكل بلاغة القول. منتهى التي تفجر منابع الجسد. في رقصة المنتهى، رقصة النهاية، الانحدار نحو البياض. حيث لا شيء مكتمل. حيث الأرضي والترابي ينوء بثقله. حيث الأرضي مسجى في انتظار من يأخذه ليستريح من كل هذه المتناقضات...

فركوح، إلياس؛ أرض اليمبوس. رواية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ودار أزمنة. ط 1. 2007م.  

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh