Document Title
21/09/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أرض اليمبوس  بتاريخ 2007/08/21
  كتابة النُقصان أو حيرة الترحال من حالٍ إلي حال (1/2) بقلم مصطفي الكيلاني - جريدة القدس العربي، لندن
 
حقيقةُ البَدْء والمرجع: لا شيْءَ يكتمل
النُقصان، الهجانةُ، اللاّ ـ مُتجانس، الفوضي، الكارثة، العدم، الفراغُ، المللُ، الشهوةُ وانقطاعاتُها، الحُلمُ المبتورُ...، تلك هي بعضٌ من المُترادفات الكثيرة الدالّة علي الما ـ بيْن، هذا الموقِع الإشكاليّ الذي وَسَمَ روايةَ أرض اليمبوس لإلياس فركوح (1). فتلتقي عَرَضا أو اتّفاقًا مع مفهوم الوجود لدي مارتن هيدغير (Martin He•degger) حينما عَرَّفَهُ علي كَوْنه الخطر الأعْظم بالنسبة لنا، نحن البشر ، و الخطر المُحْدِق بجميع الكائنات دون استثناء (2). إنّ هذا الوجودَ الخطر هو الذي أنشأ في ذات المَوْجود (Etant) روح المُخاطرة، كالذي ينكشف بفِعْل الكتابة ذاتِه وبتقلُّبات النصّ الروائيّ عندما تتقاذفه الذاكرة والنسيان، وصف المُطابقة في نَظْم الأحداث بالاسترجاع والاسترسال والإبطان آنَ اعتماد تداعيات الحَدْس الكاتِب الذي يشحن تفاصيل الموصوف السرديّ بفيْضٍ من الحالات.
وكما يحفز الرعب البدائيّ ، منذ بَدْءِ مُواجهة الطبيعة، الإنسان علي الفنّ قصْد تأنيس المُتوحّش فيه (3) فقد حملت الذات الكاتبة بعضا من ذلك الرعب وأضافت إليه رُعْبها الخاصّ الذّي تشكّل في عميق النفس منذ بدْء الوعي الطفوليّ، وعبر سِنين العُمر. وما دليل الذات الساردة في أرض اليمبوس ، تقريبا، إلاّ تلك الحِكمة التي نطق بها الأب لتستحيل إلي ما يُشبه اللاّزمة (Leitmotiv) في مسار الحركة السرديّة، أو الوالدة الدلاليّة لمُختلف المعاني، حادثها ومُمْكنها عند التأوّل: لا شيْء يكتمل . فكلّ الظواهر، إذن، في أرض اليمبوس تشي بـ اللاّ ـ مُكتَمَل بَدْءًا بالنصّ الروائيّ ذاته الذي هو ضَرب من السيرة الذاتيّة المُشبَعَة أحيانا بالتخييل حينما تصطدم الذاكرة بالنسيان، كأن تحدث فراغات صُغري في الأثناء تستدْعِي ملأً من نوع خاصّ، مثل التوسُّل بالحلم والشعر وكتابة الرغبة القديمة المكبوتة المُستعادَة. وكلّ الظواهر قائمة أيضا في الما ـ بيْن علي غرار ما تعنيه أرض اليمبوس في الاعتقاد الكاثوليكيّ آن التدليل الرمزيّ علي السكن المُؤقّت في انتظار زوال الخطيئة تمامًا أو النقيصة الدالّة علي اكتمال الكيان والإيمان.

خُيوطُ السَدَي

وعند النظر بدْءًا في مُختلِف النصوص ـ العتبات (para ـ textes) عَوْدًا إلي العنوان الرئيسيّ (أرض اليمبوس)، و إشارات حيث التنصيص علي الاقتباسات الواردة داخل النصّ (4)، واليمبوس (المُطهِّر)، النصّ ـ العتبة الذي يُساعد القارئ علي فهم دلالة اللفظ تحديدًا في العقيدة الكاثوليكيّة، ونصّ الإهداء حيث الإشارة الصريحة إلي كينونة مستحيلة تنزع الذات الكاتبة إلي مقاربتها في الأساس والمرجع، ليظلّ فعل الكتابة قائما بين الإمكان المُتحقِّق والاستحالة، باعتبارها المدي الأبعد في كينونة لا تُعْرف أصلا بالحدود والقُيود، و بِمثابة التقديم ، وهو استعارة اتّخذت لها شاكلة نصّ أصغر (micro ـ texte)حوّله الكاتب من سياقه الأصليّ (دون كيخوته) إلي تصدير لِمُنجَزه الروائيّ: أرض اليمبوس ، وغيرها من النصوص الأخري المُظْهَرَة والمُضمرة داخل نسيج الرواية ذاته نتمثّل البعض الكثير من ثقافة السرد في علاقتها بخبرة الذات الكاتِبة في الوُجود. وإذا الواصل الدلاليّ البدْئيّ بين مختلف النصوص ـ العتبات هو اليمبوس الذي استقدَم إليه نصوصا تُراثيّة مرجعيّة من ثقافات مُختلفة لتتنادي صَوتا وصدي في منظومة سرديّة تعتمد في الأساس فكرة التثليث، وقد استحالت إلي ظاهرة جماليّة سرديّة بأجزاء الرواية الثلاثة: السفينة ، و الأسماء ، و اليَمْبُوس .ولكُلّ من هذه الأجزاء نصٌّ مَدْخليّ هو بمثابة التمهيد للجزء. ولئن استغرق كُلّ من الجُزأيْن الأوّل والثاني ستّة فصول فقد اشتمل الجزء الثالث من الرواية علي ثمانية فصول، ليتأكّد بذلك الاستقطاب الدلاليّ لليمبوس ، بالعَنونَة وفعل السرد مَعًا. وكأنّ إلياس فركوح بنظام العَنْوَنة المذكور حريص علي لَمْلَمة شتات المَحْكيّ و تأنيس المتوحّش ورد ّ الفوضي المستبدّة بأشياء العالم المرويّ إلي نسَقٍ ما يظلّ إلي آخر كلمة في النصّ الروائيّ مشروعًا للتجانُس في عالم غير مُتجانس أصْلاً،كما أسلفْنا. وكما يُحدّ اليمبوس بالمُختلف عن الجنّة والنار قريبًا من دلالة البـدْء الأوّل، ذلــك الما ـ قبل المَرجعيّ، فإنّ الطفولة الضائعة هي الأبرز حضورًا في دلالات السرد (5). لذلك تظلّ الرواية بمختلف أساليبها ووظائفها السرديّة ودلالاتها المُظْهرة والمُضْمَرة قائمة في الما ـ بين، شأن حياة الموجود السارد ذاته التي هي وجْه للنقصان في كُلّ شيء (6). فما علامات هذا النُقصان التفصيليّة؟ وكيف تصطدم الذات الساردة بحقائقه المفجعة؟ كيف تُغالب وقائعه بالفِعْل الذي هو غيْرُ مُكتمل أيضا؟
إنّ الكينونة الكاملة إمكان مستحيل خلافا للنُقصان الذي هو الكينونة التي لا يتحقّق منها إلاّ النَزْر القليل. ومن هُنا تنكشف ثُنائيّة القوّة والعجز، بمنظور مختلف عمّا ذهب إليه ميلان كونديرا في كائن لا تُحْتمل خِفّته (7)، وإن اتّفقت الروايتان في إقرار الحَدّ الرقيق الشفّاف بينهما، وبتداخُل كُلٍّ منهما في الآخر، إذْ يكمن العجز في القُوّة ذاتها، كما قد يتحوّل العجز إلي قوّة هي الأقوي، بدلالة التغالُب والسيرورة والتقادُم والحدوث. كذا تتحوّل أرض اليمبوس من علياء التمثُّل العَقديّ إلي وضعيّة الكائن والكِيان في مخصوص البنية السرديّة الروائيّة، ليتّخذ الما ـ بين له صفة تموِْقُع الذات الراوية والمَرْويّة في الوُجود والتاريخ الجماعيّ (العائلة ومجتمع الرواية تحديدًا) في المقام الوسط الإشكاليّ بين الرغبة في الحياة وفقدان القيمة أو ضمورها في ما تبقّي من آثار الماضي وذكرياته في الذات الساردة. وإذا نسيج المَرْويّ حَرَكاتُ تجاذُب بين الاكتمال، باعتباره قيمة مُطلقة، والنقصان الذي هو أساس الكينونة ومرجعها، وبين ثِقل القوّة و خفّة العجز القادر علي إخصاب معني بالمَرْويّ ذاته.

لوحة السفينة أشبه ما تكون بالرحِم الذي أنشأ الرواية بأكملها

فالحنين إلي ما كان، هذا الالتفات الاضطراريّ، يُمثّل ظاهرةً إشكاليّةً في راهن الأدب العربيّ، بمختلف فُنونه الشعريّة والسرديّة علي حَدٍّ سَوَاء. وما أرض اليمبوس لإلياس فركوح إلاّ إحدي علامات هذه الظاهرة: كأنّما يوشك علي التصدُّع الآن. لحظةَ اعتكرت روحه، إذْ يستيقظ حنين يمضّه (8). إنّ لوحة السفينة أشبه ما تكون بالرحم الذي أنشأ الرواية بأكملها، كأنْ توقظ في الذات الساردة صُورًا لذِكريات قديمة وتُولِّد حالات شتّي من الحنين إلي أزمنة تقضّتْ، ليصطدم المرويّ منذ البدء بفاجعة الانقضاء (9)، ويندفع بحركة مُعاكسة إلي الوراء. فتتعالق اللحظة (الآن) والمُنْقَضِي الزمنيّ الذي سعت الذات الساردة إلي تجميع شتاته ومُقاربة فيضه العارم وملء فراغاته المستفحِلة في بعض المواطن بسَبب ما تسرّب إلي الذاكرة من نسيان وما أصابها من تفسُّخ وانهدام.

هي الاستدارة، إذن، تقضِي تحويل وُجهة السرد من التمدُّد إلي الانحناء بتوسيع مجال الزمن المُنقضِي وتفكيكه في مسارات زمنيّة صُغري تتغاير أحيانا وتدّاخل أحيانا أخري. فلا حضور، هُنا للمستقبل الذي ينتفِي، تقريبا، لعدم الاقتدار علي لَمْلَمة شتات الماضي، ولانحباس الآن في دائرة شبه مُغلقة، ونتيجة الانفتاح القَسْري علي الداخل: وأراه يُواصل تحديقه (...) خارج زُجاج النافذة المُغلق. داخل الغسق الذي يتشكّل كبُرتقالة مُعَلّقة تلتهب في فراغ يشحب (10). فهذه المكانيّة المُغْلَقة تدفع إلي فضاءٍ جُوانيّ يبدأ في التشكُّل، وبتناظُمه غير المُتجانس يتراكم المرويّ تدريجًا عند استخدام أسلوب التداعيات واسترجاع بعْضٍ مِمّا كان دون الاقتدار علي مُطابقته، لأنّ الذي حدَث لم يعُد قائما في الآن و الهنا ، بل هو ظلال لوُجوهٍ تلاشت تمامًا في غمرة الوجود المُنقضِي. ولعلّ النُقصان يظهر هو الآخر ضمن هذه الحقيقة البدئيّة: ما كان هو في خَبَر كان، وما يكون هو الكيان الفاقد للقيمة، تقريبًا. ذلك أنّ الذات الراوية والمرويّة محكومة في كُلّ المواقف والأحوال بنفوذ هذا الذي كان، ومدفوعة إلي انتظار اللحظة الأخيرة، ذلك الموت المُؤجّل أو الوشيك يُذكّر بالنهاية المحتومة لِجميع الكائنات وينتصر للحقيقة البدئيّة التي مفادها أنّ حدّي الوجود عَدَم، فأوّله عدم وآخره عدم، وهو المسكون في الداخل أيضا بالعدم، شأنَ صلة الذاكرة العارضة بالنسيان ـ الأصل، والمعني باللاّ ـ معني، والإيجاب بالسلب، والظاهرة، أيّ ظاهرة، بما يحتجب في الما ـ وراء من قوانين تدفع إلي المُراكمة والإبدال، إلي الإنشاء والتفسُّخ وإعادة الإنشاء بأشكال ووضعيّات مُختلفة رغم ظاهر حركة العَوْد الواحِد الأبدِيّ...

كيف للسرد أن يُغالب ثِقَل الذاكرة بِبَعْضٍ من النسيان

إنّ الكتابة السرديّة وجودٌ من نوع خاصّ، هو الوجود الفنّيّ بلُغة السرد في مُغالبة رُعْب الكائن أمام خطر الوجود . وما السفينة ، عنوان الجزء الأوّل من الرواية، إلاّ إشارة ضِمنيّة لسَفَرٍ كَانَ وسفر آخر قد يكون، بمُجمل الحكايات القديمة والوقائع الماضية والحادثة في تاريخ الكيان الفرديّ والجمعيّ، كأن نقول الطوفان وحكاية الخراب الأوّل الذي عقبه وجود آلَ هو الآخر إلي التقادُم وتجدُّد حدث الخراب، أو تجربة السفر الخاصّة في حياة الذات الكاتبة عَوْدًا إلي مُجمل تاريخ مُخاطراتها ومغامراتها التي انتهت بانحباس المعني وغياب القيمة والتسليم في الأخير بالنُقصان بعد تتالي الخيبات والهزائم: رأيتُنِي أدخل أرض الرخاوة: منطقة الما ـ بين (...) ورأيتُني أخرج من بُقعة التشكّك إلي فراغ (11).
كذا منطقة الما ـ بين هي اليمبوس الأرضيّ حيث الرخاوة أصل ومرجع، شأن الوجود لا يكون إلاّ بالرخاوة. فإذَا استحال إلي صلابة أو سُيولة فقد مرونة الوعي وحركيّته وأضحي جمادًا أو تبدُّدًا غير قادر علي التموقُع في الزمان والمكان. كما أنّ الفراغ هو ضامن الرخاوة علي أن تكون وعيا مُتجدّدًا يستطيع التأقْلُم مع جميع الوضعيّات.
وبهذا الانتماء الموقعيّ في الما ـ بين والإقرار المَبْدَئيّ للرخاوة والفراغ مرورًا من الرَيْبيّة المحض إلي ضَرْبٍ من الحيرة المُطمئنّة تنطلق الذات الكاتِبة في مغامرة إنشاء نصّ روائيّ هجين بالقصد الكاتِب الذي لا يعتقد في الثابت الأصيل المُسْتوي المُصفّي، ولا يدين بقداسة المعني، بل يستنير في البَدْءِ والمرجع بحقيقةِ النُقصان.
وإذا الكتابة، والكتابة الروائيّة، اعتراف صريح بهذا النقصان، لما للموت من سلطة علي الموجود، وما لحقيقة الوجود من ألغاز تعجز لغة المُطابقة عن أدائه، فيستدعي الأمر مُغالبة ثقل الذاكرة ببعض من النسيان، إذا جازت العبارة، أي التخفُّف من الذاكرة تبعا لنصيحة الآخر الملازم للذات: لا تفعل مثلما فعلت شخصيّة بورخيس، تلك التي ماتت تحت وطأة ذاكرتها. تخفّفْ منها واكتُب فيها لتكتشف أبديّتك! (12).
ولكنّ ثِقَل الذاكرة يظلّ ماثلا منذ بَدْء أرض اليمبوس وفي الأثناء وإلي آخر حدث سرديّ منها، إذْ كُلّما سعت الذات الساردة إلي الفرار من الذاكرة الضاغطة بثقلها الفولاذيّ علي المخيال اصطدمت بالوقائع والحقائق، وكانت اللحظة (الآن)أشدّ اللحظات المَرْويّة ثِقَلاً. فالمُباشِر الذي يُشاهَد ويُسْمَع جحيم لا يُحتمل، والمستقبل الذي قد يكون الوجه الآخر لليأس، كأنْ يتشبّه بـ جنّة ما موعودة يظلّ غائما غيْرَ قادر علي التشكُّل. لذلك يبدو فعل التذكُّر أيسر الأفعال إنشاء وأقلّها أذيً للنفس المهووسة بالموت الوشيك، المزحومة بصُور الرعب الماضية وصُور الحرب التي قد تحدث بل ستحدث (13).
فلا إمكان، إذن، لإنشاء مستقبل سرديّ. لأنّ الراهن أعجز من أن يُثمِر زَمَنًا قادِمًا، والملل يظلّ سيّد الحالات والمواقف (14). لذلك ينحصر مجال الكتابة في زمنيْن لا ثالث لهما، تقريبا، أجْملتْهما الرواية بَدْءًا في الذات الساردة تنتصر للماضِي علي الحاضر، وإنِ اهتمّت عَرَضا وعند البدْء والاختتام بالحرب الوشيكة القادمة (15)، وفي نجيب الغالبي رجل الأعمال الفلسطينيّ الذي انتقل من الكويت إلي الأردُنّ بعيدًا عن خطر الحرب القادمة، كاتب المقالات بالجريدة عن السُكّري وغيره من أمراض العصر (16). فيتحدّد ظاهر الزمن السرديّ بالمُدّة الفارقة بين ظروف الحرب المُرْتقبة (17) وحدوثها المُروّع الذي أكمل دائرة الرُعب وأنهي أيّ إمكان لنشأة زمن مستقبليّ ما مُختلِف.

السرد الروائيّ وثقافة الاعتراف

هو النقصان يتّخذ له مظهرا دَمَويّا كارثيّا بالحرب التي أصابت المكان والكيان، وهو النُقصان الذي يسم الموجود، أيّ مَوْجود، لتتضاعف بذلك المأساة وتضيق دائرة الوضعيّة، فلا يتبقّي للذات الساردة سِوي انتهاج سبيل الذاكرة. ولكنْ، أيّ ذاكرة؟
ُنا يستقْدم السرد ثقافة الاعتراف بتوظيف خاصّ يخترق كثافة الماضِي وتراصّ أحداثه بما يطفو في الأثناء علي السطح حينما تتوسّل الكتابة بذاكرة الجسد تحديدًا: في أوّل اعتراف أدْلَيْت به لِغير الكاهن، كان رأسك في حضن امرأة (18)، وبطفولة الذات البِكْر، مُرورًا في زمَن التذكُّر والاعتراف من امرأة مصر إلي مريم التي هاجرت من عمّان إلي القُدْس لتترك في نفس الطفل ندوبا عميقةً نازفة. وبهَذا تلتقِي الحرب والمرأة، الموت والرغبة في سياقٍ واحد مُشتَرك، لما للتعالُق بينهما من رمزيّة وجوديّة تزخر بها الجسديّة الكاتبة آنَ التداخُل الحميم بين الألم واللذّة في المواطن القصيّة الجامعة بين الحال الإيروسيّة والموقف الباتوسيّ .
بديهيّ أن يتجاذب السرد عبر مُختلف أجزاء الرواية وفصولها الرغبة والموت، ليظلّ في الما ـ بين محكومًا بالنُقصان. فيتعيّن اللاّ ـ مُكتمل منذ الولادة بسنة النكبة (1948) وضياع فلسطين، ثمّ تعاقُب الهزائم، لينغرس سِكّين المَلَل في عميق الروح (19) علي امتداد التجربة في الحياة والكتابة. وقد ساعد علي ذلك التردُّد المُستفحِل في جُلّ المَوَاطن والإقامة في الما ـ بيْن، واصطدام الأفعال، كلّ الأفعال، تقريبًا، بحقيقة النقصان.
إلاّ أنّ هذه الحقيقة قد تختلف من شخْصٍ إلي آخر، ومن وضعيّة إلي أخري، رغم هذه الصفة التي تصل بين جميع البشر، دون استثناء. ومرجع الاختلاف ماثل في وعي الشخص ذاته، كأن نُقارن بين كُلّ من الذات الساردة ومريم ونجيب الغالبي أو عزيز رزق الله والأب وخِضر والأمّ والعمّة والرُهبان...، إذ ينظر كلّ من السارد ونجيب الغالبي إلي المكان والكيان والكائن بمنظور مختلِف، بين من يكتوي بنار الكتابة كي يبحث له وبها عن برد الطمأنينة الذي لا يتحقّق في حين تُمثّل الكتابة بالنسبة لنجيب الغالبي تَرَفا معرفيّا يُساعد علي مزيد الوثوق ويُرسّخ طُمأنينة العارف الرافض لثقافة السؤال. ولئن أنْتجت الهزيمة الشخصيْن مَعًا فإنّ وعي كُلّ منهما يختلف عن الآخر، كما أسلفنا، بين من يُفكّر في النُقصان ويتأوّل به ظواهر الوجود وبين من ينظر إلي العالم والأشياء كما هي دونَ تَفلسُف لتتراءي له أقرب إلي الاكتمال منه إلي النقيض، فينعكس هذا المنظور في تمثُّل الحياة والمرأة علي وجه الخصوص وحصر القيمة والرغبة في الأداة والذريعة والمصلحة والشهوة العابرة.
وكأنّنا بالسارد ونجيب الغالبي نشهد تَغَالُبا بين مذهبيْن في الوجود داخل مجتمع الهزيمة وتاريخ انحباس الفرد وتعطّل الرغبة وتلاشي الحُلم الفرديّ والجماعيّ علي حدّ سواء. وليس أدلّ علي الارتباك، الما ـ بين، النقصان من عديد التفاصيل المرويّة المنقولة إلي راهن التذكُّر، كالأيّام الأولي في مدرسة دير اللاّتين بالقدس ورفْض المُؤسّسة وحُبّ مريم وبدء المراهقة والقطيعة العاطفيّة نتيجةَ سفر مريم مع عائلتها إلي القُدْس وعوْدة ظهورها في عمّان بعد ثلاثين سنة من الغياب.
 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh