Document Title
21/09/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أرض اليمبوس  بتاريخ 2007/08/31
  أرض اليمبوس لإلياس فركوح.. لعبة التقاطعات والانقطاعات .. بقلم سلطان الزغول - الرأي - ملحق الثقافة
 


بما أنّ اليمبوس هي أرض الحيرة، الأرض الحرام، مكان بين بين، لون بين الأبيض والأسود، موقف التساؤلات والافتراضات، فإنّ رواية إلياس فركوح الأخيرة أرض اليمبوس الصادرة هذا العام عن المؤسسة العربية في بيروت ودار أزمنة في عمّان، تقف على تخوم ذلك كلّه؛ فهي تسير من السؤال عبر التساؤل إلى مزيد من الأسئلة.
بينما يلحّ السارد منذ بداية الرواية وحتى نهايتها على أنّه يعتزم أن يروي الحكاية حتى لا تضيع منه مع أفول العمر، مما يوحي بغلبة امتداد الزمن طوليا إلى الأمام في سرد الأحداث، فإنّ بناء السرد يوغل في التمدّد أفقيّا، فيتسيّده الوصف والعناية بالتفصيلات الصغيرة، بل إنّ السارد يمارس لعبة من التكرارات المدروسة للحكايات الصغيرة التي تشكّل جسد العمل الروائيّ، يضعنا عبر كلّ تكرار منها أمام انزياح أو إضافة أو استئثار تفصيل بالسيادة مكان آخر. فنحن أمام رواية توهم بأهمية الحكائي الزمني، بينما همّها الأول هو المكان وعلاقته بالإنسان فيه، والتماهي في وصفهما واستنباط التفاصيل والإشارات والإيماءات، عبر التكرار والإلحاح والإعادة من جهة، ومن جهة أخرى باستخدام تقنية المشهدية السينمائية التي تمارس القطع والانفلات لشدّ الانتباه والحثّ على المتابعة أحيانا، وفي أحيان أخرى قراءة العدسة المركزة للوجوه والتفاصيل التي تبثّ الحياة في المكان، وتنفلت من الحكاية في سبيل تأكيدها، بل إعادة بنائها. وفي أحايين ثالثة كأنما نجد أنفسنا أمام أسطرة للمكان والحكايات عبر ربطها بالمقدّس لتكتسب قيما وأبعادا تغلّفها الرهبة والتجرد والانبهار والتسامي، بالتحايل عبر الديني التاريخي الممتزج بالحلم والأسماء والأمكنة.
ولو حاولنا لظم الحكاية التي يقوم السرد بالالتفاف عليها لوجدنا طفلا من دون اسم، خلا إشارة إلى أنّه يحمل اسم أحد القديسين، وهو قد ولد في عمّان العام 1948 -سنة الحرب الأولى التي دفعت عمته إلى مغادرة يافا واللجوء إلى بيتهم- ونشأ وكبر فيها في الخمسينيّات والستينيّات، حيث كانت عمان اليافعة تنشأ وتكبر عبر طيف من الألوان التي تميّزها؛ الشامي وتمثّله أمه، والفلسطيني ويمثّله صديقه/بطله خضر، والشركسي والبدوي اللذين نجد صدى خافتاً لهما في الرواية. ولا يخفى الربط بين الراوي/البطل وعمّان، خاصة ونحن نجده عمانيّاً حتى الصميم -كما يشير في أكثر من موضع من السرد- ثمّ إنه كان يتنقّل بين عمّان والقدس، في مرحلة دراسته الأساسية، حتى العام 1967، العام الذي فصلت فيه القدس عن عمّان، كما شهدت فيه تغيّرات جذرية أدت إلى نضوجها واكتمال وعيها، وفي الوقت نفسه نضج البطل بعد الحرب، وبدأ يمتلك وعيا جديدا، فشارك في الأحداث التي سبقت ورافقت أيلول 1970، وكان حائرا بين انتمائه إلى القدس بقدر انتمائه إلى عمّان، وتصنيف الآخرين له -من الجانبين- وبناء مواقفهم تجاهه على أساس مكان ولادته.
إلا أنّ الحكاية تنتقل إلى اللحظات التي سبقت ورافقت حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء حسب التسمية الأميركية)، وهي اللحظات التي عاشها الراوي/البطل أكثر نضجا ووعيا، وأضافت إلى سلسلة خيباته طامة جديدة قاصمة. حتى الوصول إلى نهايات القرن العشرين التي بلغ فيها الخمسين من عمره، ولم يعد قادرا على المواجهة أكثر، فأصيب بمرض في القلب، وأدخل المستشفى، وهو المكان الذي بدأت الرواية فيه وانتهت.
ويتماهى مع خط الحرب خطّ المرأة، فالراوي/البطل طفلا يحبّ مريم، وهي ابنة يتيمة لممرضة بسيطة تعمل في المستشفى الإيطالي، ويعيشان معا الطفولة فالمراهقة، لكن حرب 1967 تفصل بينهما؛ إذ يعود أهلها إلى فلسطين قبيل الحرب، في الوقت الذي يرجع فيه هو من المدرسة الداخلية في القدس في سبيل أن يكون في عمّان قريبا من مريم. لقد أُخذت مريم منه، كما فصلت القدس عن عمّان عنوة. ورغم أنّه يلتقيها بعد ثلاثين سنة صدفة في أحد شوارع عمّان الجديدة، فإنه في الحقيقة قد عاش من خلالها كلّ علاقاته مع النساء، وبقيت حبّه وشقاءه وحنينه الذي يعيش معه ذكريات الطفولة.
هذا عن الخط الحكائي الذي تتكىء الرواية عليه، لكنّ أرض اليمبوس أولا وأخيرا ليست حكاية رجل في الخمسين يستذكر بعد دخوله المستشفى بسبب مرض خطير حياتَهُ الحافلة بالحروب والنساء. إنها لعبة مخاتلة تقوم على تقنيات سردية يقودها روائيّ خبير، يبني -بعد تجربتين روائيتين طغى فيهما الشكل الجديد هما قامات الزبد 1987 و أعمدة الغبار 1996- يبني عمله الأهم والأدق على المستويين الفنّي والمضموني.
في أرض اليمبوس ثلاثة أنواع من السرد؛ فنحن أمام الراوي/البطل الذي يتحدّث بضمير المتكلم رائيا العالم من خلال ذاته، وهو يتبادل السرد مع الراوي/القرين الذي ينظر من خلال البطل، ويستخدم ضمير المخاطب الذي يوجهه إلى قرينه -الراوي المقابل-، وفي مساحات محدودة -لا تتعدى الثماني صفحات- يتحدّث هذا القرين بصيغة الراوي العليم، موجّها خطابه إلى القارىء المفترض، بالشكل الكلاسيكي المتعارف عليه.
كما أنّ كثيرا من الأحداث يتمّ سردها بطرق مختلفة، سواء عبر الراوي الأول أو الراوي الثاني، مما يكسبها إضاءات من زوايا جديدة، ويضفي على الرواية سمة التكرار التي تميّزها، فهي ليست حكاية يتطوّر فيها الحدث وينضج ويتعقّد، بل سؤال يتكرّر بصيغ جديدة، ويهرب من التسليم إلى الافتراض، ومن الاطمئنان إلى الحيرة.
ويضفي الراوي/البطل على حكاياته سمة اللاحقيقة، وهو يشير مرة تلو مرة إلى أنّ ما يرويه ربما يكون قد تلوّن وتغيّر بما يحبّ ويشتهي، أو أنّ هذا الحدث الذي كان قد أسبغ عليه الإيهام بالواقع، منذ قليل، لم يحدث إلا في أمنياته. بل إنّ لقاءه بمريم بعد ثلاثين عاما من الفراق لم تبلِ حبّه وشوقه، ربما كان عبر حلم، أو تجربة سهو عاشها. ولكنّه يعود ليؤكد في مكان جديد حقيقة وقوع اللقاء، فهو يظلّ يضفي سمة اللايقين على سرده الواقع في يمبوس حقيقي، لا في الداخل تماما ولا في الخارج تماما.
يقسم الكاتب روايته إلى أقسام ثلاثة هي: السفينة، والأسماء، واليمبوس. يبدأ القسم الأول بحديث الراوي/القرين من غرفة في المستشفى، حيث يرقد الراوي/البطل محدّقا عبر النافذة المغلقة، والتي تحتلّ جزءا من حائطها لوحة السفينة لتيرنر، في هذا المشهد ينصح البطل قرينه قائلا: عالج ما لا تعرفه بالكتابة، قبل أن تموت (ص 15)؛ في حين أنّ الذي تتدهور صحّته هو البطل، فكأنما هو ينصح نفسه.
وعلى مدى الفصول الستة الأولى التي مهّد لها حوار البطل/الراوي مع قرينه، يتمّ تبادل السرد بينهما، ليكمل أحدهما ما بدأه الآخر. ونشعر في البداية أننا في أجواء عاصفة الصحراء التي تعود بالبطل إلى أجواء هزيمة 1967، تلك التي أضاعت منه القدس إلى الأبد، كما أضاعت مريم. وتسيطر على أجواء السرد ذكرياته مع مريم -البكارة والبراءة الأولى- التي تشبه القدس ببراءتها وطهارتها، والتي بقيت فكرة في عقله، وموقدا لقلبه.
وفي حين يقول في جزء بداية الرواية: الكتابة الأدبية ليست غير عملية حذف وإضافة (ص 19)، فإنه يبقى ممارسا أمينا لهذا الشعار الذي جاء في سياق السرد، يطبّقه بحرفيّة تسير بالأحداث بالحذف مرة، ثم بإضافة تفصيلات إليها حين يرويها بشكل جديد، وحذف أجزاء أخرى، أو التشكيك في قيمتها أو حقيقة وقوعها فعلا.
أما القسم الثاني -الأسماء- فيبدأه الراوي/القرين بمخاطبة الراوي/البطل: أن نتبادل الحكي يعني أن نتبادل دور البطولة. حسن. لكنه دور لست طامعا فيه ما دمت قادرا عليه؛ فلا تخف. إني أتركه لك، ولن أسمح لنفسي بالتدخّل إلا لملء ثغرات حكيك المكتوب. ولسرد أحداث أراها مهمة، كنت قفزت عنها، سهوا أو عمدا (ص 87).
في هذا القسم تمتدّ فصول ستة أخرى تظهر فيها عمّان الخمسينيّات والستينيّات، التي تقوم على أطراف السيل. كما تظهر يافا بصورة حكاية دامعة، يحكيها خضر المهجّر، والذي يروي الماضي بوصفه بطولة مستمرة بلا خسارات، خلا الخسارة الكبرى التي قضت على السعادة الأبدية فيه.
وتبقى مريم تمتلك حضورا طاغيا، فهي البطلة الرئيسة في الرواية، لكن من خلال حديث الراوي عنها، فالأنثوي يتشخّص من خلال رؤية الذكوري، وحضورها مقترن بما ترمز إليه؛ القدس. أما والد البطل، الخياط الهادىء العاجز عن الفعل المؤثر في الحاضر، رغم امتلاكه حضورا في وعيه، ورغم أنه يمدّه بخلاصة تجاربه، فلا يعدو أن يكون التراث الماجد الذي تراخى تأثيره، رغم قوة حضوره في الذاكرة والعقل.
لكننا نفاجأ أيضا في هذا القسم بموت عمّة البطل، التي هُجّرت من يافا منذ ولادته، وهو موت أحيط بهالات تراجيدية من قبل الأب خصوصا، الذي هاله فقدها، وحوّله إلى اليأس والقنوط، وبالمقابل لم تتمّ الإشارة إلى موت الأب إلا لماما، مما يؤيّد حضور الرمز في الشخصيّتين، باعتبار أنّ فقد العمّة فقد لحضور يافا وأخواتها، مدن فلسطين التي ضاعت العام 1948، في الخطاب العربي الذي تلا مرحلة الحماسة الأولى، وهي خسارة من سلسلة لن تتوقف. أما الأب/التراث فما يزال موجودا.
وتظهر في هذا القسم إشارات إلى قيمة الاسم في حياة الشخصية، فالبطل/الراوي بلا اسم، ومريم يتحوّل اسمها إلى معنى: ماسة؛ فرغم قيمتها الباقية، ولمعانها النفيس، لم تعد تلك العذراء المقدسة البريئة بعد أن دُنّست، واستحالت عودتها كما كانت. إلا أنّ جميع من عرف البطل من النساء، قد تحوّل إلى مريمات يشير إليهنّ باسم ماسة، فهي باقية حاضرة في الأمكنة والوجوه، بقدر حضورها في وعيه وقلبه. أما آخر من عرف منهنّ، منتهى، فليست إلا نهاية حلقة المريمات أو الماسات في حياته، عبر اسمها كما عبر وجودها الفعلي.
وكذلك فإنّ نجيب الغالبي ، الذي تعرّف البطل عليه -منذ الصفحات الأولى- في الصحيفة التي يكتب لها، يملك اسما آخر يشير إليه، هو عزيز رزق الله ، وهو رجل ممن خرج من الكويت إثر دخول العراقيين إليها، ثم استقرّ في عمّان وأنشأ عملا معقولا، لكنّ دوره في حياة البطل هو الذي أضفى عليه الأهمية، فهو مرشده وحكيمه الذي يقدّم له فلسفته الخاصة بالكتابة والنساء. فكأنما قد تحوّل من العزّ والرزق اللذين تضمنهما اسمه القديم إلى النجابة والغلبة اللتين يشير إليهما اسمه الجديد. وهو في هذا على النقيض من شخصية أخرى يتمّ طرحها في هذه اللعبة السردية المواربة، هي شخصية أبو الفدا الذي يظهر في الوحدات نهاية الستينيّات مناضلا لدودا، لكنّه يرفض ضمّ البطل إلى حزبه، بحجة أنه مولود في عمّان، ثمّ يظهر في عصر حرب الخليج المدمّرة باسم الحاج أبو العزّ ، الرجل المتديّن الذي يملك أسطولا من الشاحنات المتنقّلة بين الأردن ودول الخليج والعراق، بعد أن وشى برفاقه إلى السلطة، فهو مقابل لنجيب الغالبي، لكنه قد باع الفداء في سبيل العزّ والغنى.
وكأنما تمارس الرواية لعبتها الخاصة مع الأسماء، فإضافة إلى تقديمها أسماء الشخصيات عبر سلسلة من الرموز والإشارات التي يملكها الاسم عبر السرد، فإنها تقدّم فكرتها حول قيمة الاسم في حياة الإنسان، وتتساءل عن مدى صدق القول المأثور: لكلّ امرىء من اسمه نصيب .
أما الراوي/البطل فهو يومىء إلى أنّ اسمه هو اسم كاتب الرواية، عبر إشارته الدالة إلى أنّه سمّي على اسم أحد القديسين، خاصة وأنّ سيرتهما الحياتية الظاهرة تكاد تتطابق، سواء في سنة الولادة ومكانها، أو الدراسة في كلّ من عمّان والقدس حتى نهاية المرحلة الثانوية، أو طبيعة العمل في الكتابة، أو الإصابة بمرض في القلب مع بدايات القرن الجديد -زمن السرد الأساسي-. وبذلك يصل بلعبة الأسماء وعلاقتها بالشخصية إلى حدودها القصوى من جهة، ومن جهة أخرى يحاول الإيحاء بأنه يقدّم شبه سيرة ذاتية لكاتب الرواية. إلا أنه يبني عالمه الخاص وعلاقاته الخاصة مستفيدا من حياة الكاتب، كما أنه يضفي على لعبته السردية سمة المواربة والتساؤل التي يرمي إلى أن تستمرّ بعد الانتهاء من قراءة الرواية في الواقع الثقافي الحقيقي.
لكنّ الراوي/القرين يقدم لنا نفسه في بداية القسم الثالث -اليمبوس- بوصفه جزءا من الراوي/البطل: نحن الاثنان في هذا الواحد الراقد على ظهره يرنو باتجاه السفينة على الحائط، مغمض العينين (ص 178). ثمّ يشير إلى أنّ البطل الممدّد ليس خالصا مبرأً من الآخرين، لكن الآخرين لا يعون حضورهم المحفور فيه. فكلّ إنسان -في الحقيقة- ليس إلا مجموعة من الأفكار والشخصيات والأحاسيس التي شكّلها وجوده الاجتماعي وتأثّره بالناس الذين عرفهم عبر تاريخه، وهذا الموزاييك هو الذي يجعل منه فلان ، وليس اسمه الذي لا يعبّر إلا عن إشارة بليدة ضحلة لا تملك شيئا من شخصيّته التي تظلّ تنمو وتتجدد عبر التجربة. ففلان طفلاً غيره شاباً، وهو شيخاً غيرهما، لكنه يتضمنهما أيضاً مثلما يتضمن غيرهما.
وفي هذا القسم أيضا تظهر عمّان الجديدة، عمّان نهاية القرن العشرين، والتي تدفع الراوي/البطل لأن يقول: كأنها ليست المدينة التي أعرفها... كأنها ليست عمّاني الأولى (ص 195)، مما دفع نجيب الغالبي لأن يقول له: مدينتك لم تكبر وتنمو إلا على الحروب. هذا قدرها (ص 197). فكأنما عمّان هي أرض اليمبوس، التي تقع في المنطقة الحرام، تتأثّر بكلّ ما يجري حولها من دون أن تشارك فيه، وهي تتلقف نتائج الحروب ابتداء من 1948 وانتهاء بحرب الخليج الثانية، وكلّ الخارجين من الجنة، أو الهاربين من الجحيم يلتقون فيها.
كما أننا في نهاية هذا القسم الأخير أمام الراوي/البطل إذ يتجه إلى غرفة العمليات، حيث تظهر ماسة جديدة، طفلة هذه المرة، بعيني مريم الخضراوين، وتتلمّس كتفه، مما يشير إلى استمرار الأمل في أن يكسب بعد كلّ هذه الخسارات، وبعد كلّ هذه الحروب التي عاشها وبقي صامدا. فمريم الماسة تتولّد من جديد أمام غرفة العمليات، لتساعده على الاستمرار. وتنتهي الرواية على وقع صوت الراوي/القرين: حاول أن تفهم ما وشوشت به تلك الصغيرة، صاحبة اليد البيضاء كالقطن، واسمها ماسة، علّك تساعد نفسكَ. حاول. أنت تعرف. لن أكون بعيدا عنك. يدي في يدك، ولسوف نعبر معا إلى الضفّة الأخرى، بأقلّ الخسائر (ص 233). هل نحن أمام وعد صريح بالعودة إلى القدس في الضفة الأخرى من النهر؟ ربما.
تملك أرض اليمبوس مستويات متعددة من اللغة تتناسب مع حركة السرد؛ فهي ترتقي وتصبح شعرية محلّقة على لسان الراوي/البطل، ثم تصير لغة الشارع إذا كانت على لسان إنسان بسيط كخضر صانع الطبلات، وهي حيوية تمتلك الإيحاء، وتعبق بالحياة في حوارات الراوي/البطل مع نجيب الغالبي، أو المحرر، أو مريم كبيرةً...، وهم جميعا مثقفون يملكون وعيا فائضا. كما أنها تقدّم صورة حيّة للواقع العمّاني؛ في بيت البطل خمسينيات القرن العشرين، أو في الوحدات نهاية ستينيّاته، فنحسّ بنسغ الحياة يسري في الشخصيات: أخته الكبرى، أخيه الطفل، أبيه، أمه الشامية، أم مريم، خضر، (أبو الفدا)... إلى آخر قائمة الشخصيات التي تملك كل واحدة منها لغتها الخاصة، وأسلوبها في الحوار. ومن الأمثلة الدالة على ذلك وصف الراوي/البطل المتدفق المشحون لفيضان السيل في عمّان ذات شتاء، والذي يمتح من المقدس ويؤسطر الحدث:.
 حينما خلعتُ الأقفال عن أبوابها وشرّعتها، كان العُباب بلا نهاية. ليس ثمة يباب. أمواه عظيمة أينما يمّمت وجهي، واليابسة امّحت. لا يزال القار مبتلا ويرشح متقطّرا. القار الذي أحكمت به الأبواب لأحمي الفُلك من تدفّق المياه إلى جوفه. رأيته يتمدّد أسود متشقّقا كلّما وسّعت من فتحي للأبواب. لا حياة إلا لمياه فوق مياه، وثمة البرد يهبّ من الخارج يسوط وجهي (ص 138).
بينما نراه يقدم حواراته بالعامية أحيانا، وبالفصيحة المبسّطة أو المركّبة أحيانا أخرى، حسب ثقافة الشخصية ومكانتها اللغوية، مما يعطي للسرد حيوية، وينتقل به إلى آفاق أغنى وأكثر إثمارا.
على أن لعبة السرد التي تتقاطع فيها الحكايات مثلما تتقاطع شخصيتا الساردين، يحكمها تقاطعات زمنية تربط بإحكام الأحداث الأربعينية الخمسينيّة بالستينية ثم بالتسعينيّة، متخذة شكل المشهدية السينمائية التي تلجأ إلى القطع في ذروة المشهد لتنتقل إلى مشهد جديد، راصدة خلال ذلك تفاصيل الوجوه والأمكنة والأشياء، جالية كلّ ما يتضمّنه المشهد من حياة وتدفّقات. وكأنما تقوم الرواية على هذه المشهدية، وعلى تقاطع الحكايات والأزمنة والأماكن، من خلال تناوب الساردين اللذين يعيدان رسم كثير من الحكايات والمشاهد ليكسباها سمات جديدة، أو ينطلقا من زوايا مختلفة تعطي للحكايات ألوانا أخرى تبقيها أكثر حياة وصفاء وتجدّدا.
تكتسب أرض اليمبوس من كلّ ذلك تميّزها وهندستها الدقيقة التي تجعل من فركوح صانعا ماهرا، يقدم تطوّرا جديدا بحق على صعيد فنّه الروائي، بل على صعيد الرواية العربية عموما، ويثبت أنّ صمته الطويل قد أثمر بناء ساحرا خصبا سواء في أسلوبه أو أفكاره.
* شاعر أردني

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh