Document Title
21/09/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أرض اليمبوس  بتاريخ 2007/04/27
  التاريخ الشخصي والذاكرة الجمعية بقلم هيا صالح
 

بإصدار أرض اليمبوس ، يمكن القول إن الروائي الأردني إلياس فركوح يكمل ثلاثيته الروائية التي بدأها ب قامات الزبد (1987)، التي تتناول الفترة الفاصلة بين نكسة عام 1967 وسقوط مخيم تل الزعتر، ثم أعمدة الغبار (1996) التي تبدأ من سقوط تل الزعتر حتى خروج المقاومة الفلسطينية من بيروت في العام 1982.
أما في أرض اليمبوس ، فتتداخل الأزمنة والأمكنة، وتتماثل وصولاً إلى حرب الخليج الثانية (1991)، تلك الحرب التي: توقفت. ومثل قيامتها الخاطفة، كانت نهايتها (ص 25).
ويمكن عدّ هذه الثلاثية، ثلاثية الجيل الذي ينتمي له فركوح بامتياز، وهو الجيل الذي وصفه في أحد حواراته بأنه: الجيل الأردني الفلسطيني الذي عاش جغرافيا واحدة، ونما وعيه على جغرافيا واحدة (تشكلت المملكة الأردنية الهاشمية من الضفتين الغربية والشرقية في أوائل الخمسينيات نتيجة اتفاقية ما، لسنا بصدد تفسيرها السياسي)، لكن هذه الوحدة أو نتائجها الاجتماعية تمثلت في انصهار الضفتين معاً مشكّلتين مجتمعاً واحداً بقوى سياسية موحدة ذات صفات مشتركة، إلى أن حلّت هزيمة 1967 وفصلت الضفتان، وبات الفلسطيني فلسطينياً والأردني أردنياً على مستوى الجغرافيا، لكن على مستوى الاجتماع ظل الفلسطيني في الأردن هو الفلسطيني الأردني أو الأردني الفلسطيني يتفاعل مع قضايا البيئة الكلية ويفعل فيها .
ومن هنا، وفي أرض اليمبوس (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2007)، يسجل فركوح، ابن هذا الخليط الاجتماعي الثريّ، التاريخَ، وهو -والقولُ له: تاريخي الشخصي الذي أدّعي أنه غير محصور في ذات مفردة، وإنما هي ذات جيل بكامله انفعل وفعل وتفاعل. بعضنا انكسر، وبعضنا الآخر لم ينكسر، بعضنا تخلى عن مبادئه، وبعضنا ظل مبدئياً، لكنني أزعم أننا إن كنا خسرنا الأرض، وإن كنا خسرنا شعارات كثيرة كانت مرفوعة في تلك المرحلة، فقد كسبنا أنفسنا. كسبنا تجربة فريدة .
إذاً، ومنذ العنوان، ثمة مواجهة للمكان الذي يتأرجح بينَ بين دائماً، هو اليمبوس؛ المنطقة الوسطى ما بين الجنة والجحيم، وهنالك شخصيات تماثله في هذه السمة، وكذا الأحداث والزمان والمكان، وحتى التجربة الذاتية المركبة لفركوح الذي عاش زمناً في القدس، كما عاش في عمّان، وتفاعل مع قضايا المجتمعَين، فجأت روايته وكأنما هي شهادة على تجربته الحياتية الخاصة في تعالقها وتفاعلها مع حياة الآخرين في محيطه وتجاربهم.
هذه التجربة التي تنهل من مخزن الذاكرة، ذاكرة الراوي، والتي تشبه بيت العنكبوت حيث الدوران اللانهائي لحياة تُختزن في الذاكرة لتسقط على الورق كما دوائر الماء إذا ما أُسقط فيه حجرٌ رجّ هدوءه وخلع عنه سكينته. إنها محاولة لاستعادة ما توارى في قبو الذات، كي لا نقضي ونموت تحت وطأة ما نختزن في تجاويف الذاكرة: في غور الصدر: في شغاف القلب (ص 88).. هي حيوات في مدن أعرضت عن أحلامنا، فرسمناها على غرارنا لتتداعى حين نتداعى (ص 88).
وتنسجم عناصر الرواية في بنيتها الكلية مع سياق السرد الذي يركن إلى منطقة التذكّر، وفيها لا تخضع الأحداث لترابطٍ منطقي أو عقلي، وإنما تتدفق وفقاً لإحساس الراوي بها، وإذ ذاك يصبح الزمن فكراً، والعالَمُ امتداداً لهذا الفكر، وهو ما تبدأ به الرواية، فمشهد اللوحة المعلقة على الحائط يردّ الراوي إلى داخله/مرآته الجوانية في محاولة للفهم: أن تفهم يعني أن تدرك الحياة، أو تحاول (ص 26)، لكن هذا الفهم العقلي بالنسبة للراوي لا يكفي، فهنالك ما هو أكثر من الإدراك الواعي؛ ثمة المشاعر والأحاسيس المختلطة التي تكتمل بها النظرة للعالَم: عليك أن تُفجع بتبدد أحلامك وانكسار آمالك، فتكون أنت (ص 26)، وبعد، يعترف الراوي: (لا شيء يكتمل)، قال أبي؛ ففهمت أن لا شيء يستحق الانتظار.
وفهمتُ، كذلك، أن الانتظار مضيعة لوقت سيُصاب بتخمة إن تركته يتلهى بإنضاج التجربة. الكتابة ستتكفل بهذا (ص 64).
إن عدم الاكتمال هو الصورة الحقيقية للعالَم الترابي الواقف بين العالَمين: العالَم الفوقي الذي يمثل الخير، والعالَم السفلي الذي يمثل الشر، ولذلك فإن الثواب والعقاب لا يكونان بسبب عمل الكائن/الإنسان، وإنما يكونان بسبب انسياقه وراء كائنات هذا العالَم أو ذاك.
ويبدو هذا العالَم الذي أوجدته المخيلة الأدبية حياديّاً من حيث أنه عاجز لا يملك مقدرة العالَمين الآخرين، ولكنه في غير هذه الناحية لا يعرف الحياد، لأنه عالَم منحاز في حقيقته، إما إلى الأعلى أو إلى الأسفل. إن الكائن هنا لا يموت إلا إذا سقط في هوة النسيان، لذا فإن فالراوي يكتب ليبدد النسيان، راصداً التغيرات والانتقالات التي يعيشها الإنسان: كان لا بد أن أكتب الحكايات قبل أن تموت هي أيضاً، فالحكايات كأصحابها، تُدفن مع جثامينهم وتُنسى، كرفاتهم، حين لا يعود سوى الصبار ينبت فوق قبورهم (ص 30)، لكن الراوي/ الكاتب يعترف، وهو يقاوم النسيان بالكتابة: أُصاب بالملل، ويربكني أن لا طائل من وراء عالَم لُوثت جيناته بسخام الحروب .. إنه عالم لا يستحق التخليد.
يتأسس الروي في أرض اليمبوس ، وفق استراتيجية سردية دينامية مضادة لصورة الراوي التقليدي بوصفه المرجع الوحيد الذي يمكن الوثوق بروايته، فعلى عكس ذلك، يصبح الراوي في هذا العمل أول ضحايا استراتيجية اللعبة السردية التي تخلخل موقعه وتشكك في صوته وصدقه، ذلك أنه يتعرض لصيرورة تناسخات وتحريفات تجعله يفقد موقعه المركزي في تراتبية السرد، بحيث لا يمثل مصدراً موثوقاً به في الحكي. لذا نراه يستعين بآخَره ليكمل ما تناقص من أجزاء الصورة، مؤكداً أن ما يرويه قد لا يكون حدثَ فعلاً، وإنما هو رغبَ في حدوثه فاختلقه: علينا أن نتذكّر كي لا نقضي تحت وطأة كل ما جرى. لا! دعنا لا نذهب بعيداً في خداع أنفسنا. فلنقلها: كي لا نقضي تحت وطأة كل ما لم يجرِ وتمنينا أن يكون (ص 232).
ولذا، تتعدد المستويات السردية في الرواية، فهنالك الراوي بضمير الغائب، والراوي بضمير الأنا، والراوي بضمير المخاطَب، وجميعها تبدو مرايا لراوٍ واحد يجاهد في البوح ولَمِّ ما تناثر من أشلاءٍ لأحداث اختزنت في الذاكرة. فالأحداث في الرواية ليست من تأليف شخص واحد، وإنما من وضْع أشخاص متعددين، يتنازعون الروي مفككين مركز السرد الذي يتشظى في أكثر من نقطة، وفقاً للرغبات المتقلبة للرواة/ مرايا الكاتب، إذ كلٌّ منهم يشكك بصدق الآخر وصدقيته.
ومثال ذلك، يقول الراوي بضمير الأنا، بعد حديثة عن المرأة الأولى في حياته: عَلَيّ أن أستعيد الأمر برمّته، أكثر من مرة، كي لا أفقده.
تفاصيل الأشياء تهرب مني. تفلت من ذاكرتي، فأتركها لغيري، ظاناً بأنهم يتوفّرون على ما ينقصني: يملأون الفراغات في حكايتي الشخصية بدلاً مني.
هم ينوبون عني، بالأحرى. كأني أُحلّهم محلّي في أداء ما يشبه امتحان (املأ الفراغ في الجمل التالية). كأني أجعلهم أنا، مثلما أجعل (ماسة) جميعَ النساء (ص 74).
يتدخل الراوي بضمير المخاطَب، مناقشاً ومحللاً ومشككاً بمقولات الراوي بضمير الأنا (وجهه الآخر)، ويردّ عليه: هذا صحيح تماماً، وهنا مربط الفرس-كما يقال. أو مربطك. تجعل امرأة لا وجود لها بديلاً عمّا لم تجده في ما عرفته من نساء. أسميتها ماسة: أي الجوهرة المبرّأة من أية شائبة.
تتحايل على وعيك بتغييبه عمداً؛ إذ أكثرت مؤخراً من التأكيد على أن الكتابة لا تنتج إلا عن وعي حادّ. وهذا صحيح ودقيق أيضاً. غير أنك وبإرادتك إنما تنفصم إلى اثنين يتشاكلان بالضرورة. لكنهما يتماهيان كذلك ليصطدما بعضهما ببعض (ص 74).
إن الرواية تقترب من الواقع وتتفحصه وتحلله وتتعامل مع عناصره بلغة تستثير العميق والباطني فيه، حيث اللغة هي وسيلة الكاتب للتعبير عما في ذاكرته من صور مختزنة للواقع. وربما أن واقعية الرواية جعلت من المستساغ السرد بالعامية أو المحكية، خصوصاً في المقطع الذي يتحدث فيه خضر الشاويش ، ابن يافا الذي يقطن في مخيم الوحدات، عن بطولاته التي يقتات على ذكرياتها ليتمكن من تقبُّل واقعه المهزوم، فهو يحكي ليعيش أياماً مضت يراها أجمل من حاضره، كأنه، عند الحكي عن عزٍّ قديم وتفرّدٍ آفل يتخلص من بؤس واقعه ويميز شخصه الضائع في جموع نُسيت وبلا ملامح (ص 129).
تتداخل حكايات خضر مع مَشاهد يستعيدها الراوي بضمير الأنا من ذاكرته، فحديث خضر عن المرة الأولى التي جرّب فيها رفعَ الحديد، تستثير في الراوي ذكريات النكسة. وخضر في بحثه عما يخلّصه من العار الذي لحق به بعدما فشل في رفع أثقال الحديد، يقود الراوي إلى أحداث بحثه عن حاملي الكلاشنكوف ، الذين يمارسون عملهم بالخفاء، وهو بذلك يبحث عما يخلصه من الهزيمة.
خضر يدخل الجيش، أما الراوي فيدخل الحزب المالك لذراعه في حركة الكفاح المسلّح ، ليصبح رفيقاً ، ويحصل على البندقية التي حلم بحملها، ويكشف له قرينه (الراوي بضمير المخاطَب) أنه إنما أراد أن يكون- والكلامُ له: بطلاً رديفاً للبطل خضر، الذي دلَّكَ على خريطة فلسطين في شخصيته وتفاصيل حكاياته، فزرعَ الحلمَ فيك عن بلدٍ تحوّلت إلى أسطورة (ص 129).
إنها رواية مسبوكة بلغة ذات طاقة شعرية مفتوحة على الدلالات، إذ إن السحر الذي تمارسه اللغة في الرواية بشتى تجلياتها، هو سرّ إبداع فركوح الذي كلّما قبض على الكلمة أضرمَ فيها نار الجمال الغامض والسرّي.
هي محاولة للاكتشاف.. للتذكّر.. حتى لا يضيع الحلم، وننسى القدس مدينة الله أقرب إلينا من حبل وريدنا، وريدنا المحقون بالمخدّر الذاهب بنا إلى منامات قد تطول وقد لا تطول، وحتى لا نرهق الروح بمزيد من الأسئلة، فلنحاول أن نعيد كل ما تذكّرناه إلى ما كان: قبل أن نحذف منه وأن نضيف إليه. فلنحاول. أعرف استحالة ذلك. أعرف، ولكن عليك أن تحاول.
سيكون الاكتشاف هناك (ص 232).

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh