Document Title
26/07/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أرض اليمبوس  بتاريخ 2007/10/06
  أرض المابين : سيرة روائية للياس فركوح بقلم حاتم الصكَر
 
في العمل الأخير للكاتب الياس  فركوح (أرض اليمبوس) تواجهنا عدة ملاحظات طاردة لقراءة العمل بكونه سيرة ذاتية تتخذ شكلاً روائياً أو سيرة روائية كما نقترح لمثل هذه الأعمال لأنها تقترض مادتها السردية من السيرة الذاتية لكاتبها، وتتخفى وراء التماثل أو التشابه الذي تهبه المخيلة لا التطابق المستمد من مفردات حياة الكاتب والعلامات الدالة عليه دون سواه.

والفرق هنا يكمن في (إمكان) حدوث المتخيل الروائي لا حدوثه فعلاً،  ووجود الشخصيات افتراضياً على الورق، بينما يمدنا السرد السير- ذاتي بالتطابقات التي تجعل الأحداث ( واقعة) والشخصيات ذات وجود حقيقي، نقايس عليه ونحكم بمدى الصدق والحقيقة امتثالا ًلمطابقة الخارج الكامن في متوالية الحياة كما عاشها ساردوها.

ولعل هذه الخاصية القرائية في الخطاب السير- ذاتي ، ومواجهة الأنا الساردة  مباشرة ، وهيمنتها على المسرود هو الذي يعطي تلك الخصوصية للمتن السيري ويجعل تجاذباته مع القراءة ممكنة ، وكأن الياس فركوح أحي بذلك فأودع عمله في منطقة المابين: السيرة والرواية متخلصا من التطابق وتبعاته الأخلاقية والحياتية واشتراطات الصدق والتوثيق والذاكرة وعملها، ليستجير بالطاقة التخيلية في الرواية كلما أحوجه السياق لذلك ، كما كان عمله واقعا على مستوى الحدث المستعاد والمصوغ روائيا في المابين أيضاً ، مابين الطفولة والنضج، فلامس سنوات التكوين والدراسة زمنيا، كما لامس المكان على تلك الصورة المابينية، فأخذ ذاكرته أو أخذته إلى القدس وعمان وعواصم أخرى.

ولكن ما تلك القوة السردية الطاردة لاحتساب العمل سيرةً محضاً، لاسيما وثمة إشارات تشجع على ذلك، هي بطاقات مهربة من حياة الكاتب ووضعه الثقافي ككاتب ووعيه ومكانه والزمن الذي يشهد عليه بل اسمه الذي يصفه بالثقل لأن أباه اقتبسه من معجم القديسين المحفوظ في ذاكرته؟

أهم تلك القوى إشارة الكاتب في تجنيس العمل وعلى مداخله إلى أنه رواية، ثم إشارته الهامشية ولكن في الغلاف الداخلي للعمل مما يعطيها استحقاقاً دلالياً وتوجيها للقراءة وتنص على أن((جميع الشخصيات الكاتبة للرواية لا تتطابق أو تمثل من يشابهها في الواقع، ملامحَ وأسماء،علماً بأن جنوحات الحياة أشد غرابة من أجنحة الخيال-وهل ثمة ما يفصل بين هذه وذاك؟))

والمجانسة المتعمدة والمساقة في ما يشبه المداعبة والألفة مع القارئ( جنوحات الحياة/ أجنحة الخيال) هي تأكيد أخر على منطقة المابين التي أرادها الكاتب لعمله، بل أعتقد أن إشارة الكاتب هذه جذبت العمل إلى منطقة السيرة بأشد مما لو تجاوز الإشارة حول التطابق والتمثيل، فالاستدراك(( علماً بأن..)) يريد ألا يفارق قراؤه منطقة الجنوحات في الحياة - كما سماها- وهي إشارة إلى السيرة ، وألا يستريحوا تماماً لأجنحة الخيال التي تهبهم إياها الرواية .

وهناك الاستعانة ب((مدونة يوميات عاصفة الصحراء))التي يشير الكاتب إلى أنها مأخوذة من نصوص كتبها هو ونشرها أسبوعياً.وهذه  إحالة أخرى إلى المطابقة التي تجبرنا عليها سياقات العمل بين السارد والكاتب، وبين السيرة والرواية لصالح السيرة الروائية كما نرغب.

إذا اجتزنا تلك العتبات التي تعلّق العمل في  حرج المابين ( الرواية / السيرة) والزمن والمكان الحدثيين ( الطفولة / النضج، القدس /عمان )  فإن التقديم المقتبس من سرفانتسس  في (دون كيشوت) يؤكد الصلة القوية للعمل بالسيرة ، فهو يشير إلى ((تاريخ ولد جاف هزيل شاذ مليء بالأفكار المتفاوتة لم يتخيل أحد مثله من قبل)) .

هذا التأرجح ستؤكده ندّات لفظية أو صورية هنا أو هناك وفي تراوح السرد بين ضمير الغائب وضمير المتكلم، ولكن بالإحالة في الحالين إلى السارد نفسه .في الصفحة الأولى من الفصل الأول نقرأ)) ثم طفق يمعن في نهر أفكاره كأنه ينغمر داخل صورته في المرآة!)) فكأن الياس يؤكد الطبيعة النرجسية في الخطاب السير – ذاتي ، حيث ينظر السارد إلى صورته في الماء الذي صار مرآة تعكس وجهه كما هو حال نرسيس في الأسطورة ، وينتهي العمل بمثل ذلك حيث(( يكون الظاهر مرآة نظيفة للباطن)) وهذا الوجود المرآتي ليس إلا الحنين لرؤية الذات على صفحة السرد ..اليمبوس هو الاسم اللاهوتي للمطهر أو الأعراف أو منطقة المابين التي ينتظر فيها أو يقيم الأطفال الموتى قبل المعمودية ، وأرواح الخيرين الموتى في أزمنة الكفر، وهو المكان الذي أفرد له دانتي جزء الكوميديا الثاني ، ويشير إليه أبو العلاء قبله في رسالة الغفران، ويرسم  له بورخيس–بحسب المؤلف- خريطة متخيلة ، تجعل اليمبوس في القدس-مدينة الله- كما في الصفحة قبل الأخيرة من العمل.

ثمة إشارات رمزية أخرى إلى الرحلة صوب اليمبوس، أبرزها نسخة من  لوحة السفينة للفنان تيرنر المعلقة مقابل سريره ، وإشارته إلى ولادته(ولدت في سنة النكبة-خرجت من رحمها- تحت برج الحوت كانت ولادتي- والحوت ابتلع بلاداً اسمها فلسطين- فخرجت إلى عالم ناقص أزعق باكيا مطالبا بما يكفي من الهواء..) لكن السارد يرى ذلك امتيازا أو حقا له يلقي بظلاله على النص ويجذبه من حين لآخر إلى السياسة التي كانت إحدى صدمات حياته إذ واجهه وهو ينضم للمقاومة اعتراضان متناقضان: هنا يسألونه ما شأنك بهم وأنت منا، وهناك معهم يسألونه ما الذي جاء بك وأنت منهم ، كما يرى تبدلات  بعض الثوريين وتحولهم عن مبادئهم ،لكن اللعبة الفنية الأجمل في العمل هي اتخاذ القرين وسيلة للسرد وهي إحدى الحيل التقنية المعروفة التي يوظفها الكاتب لمحاورة الذات أو التناوب في السرد واستلام مهمة  الحكي، وهي ليست بعيدة عن التفسير المرآتي ، فالقرين في النهاية صورة منعكسة للذات  تسمح المسافة الخطابية واللغوية المباعِدة بينهما بمعاينتها على مهل وتبصر.

القرين قد يكون هنا مستودع السيرة وأحداثها والمهيمن عليها حذفاً بحسب ذاكرته((أنت تحذف ,وأنا أضيف))بل لعل القرين هو الذاكرة نفسها، والسارد هو المخيلة التي توصل المفردات السيرية بعد أن تغربلها وتنقيها وتعدلها،أما العمل فهو في المابين  أو في منزلة وسطى بين المنزلتين هذه المرة أيضاً,.

ويحس الكاتب بتعارضات زمن السيرة وزمن سردها فيقرر((ربما يكون للزمن قوة جرف حكايات الماضي وحرفها في ذاكرتي ..أو عل ّ الشخص الذي كنته ليس هو الشخص الذي يتذكر عمره قبل أن يقضي..فينقضي))

وأحسب أن هذا العمل من بين أعمال قليلة تنبهت لهذا المأزق الذي تنطوي عليه طبيعة السيرة الذاتية ونظامها الفني ،وما سماه السارد((التذكر حين يطفح فتأخذ الحكاية بتلابيب الكتابة)) وسيلاحظ القارئ أن السرد يتم بعينين مفتوحتين دوما على البناء الفني للحكي و تنازعات السيري والروائي مما خلق حالة المابين التي اتصف بها العمل وتسلل حتى للتسميات ف(منتهى ) هي ماسة ولا اسم لها سواه في السرد ،وخضر هو الشاهد الذي يرمم الحكاية، كما أن مريم تغيب في لجة السرد ، والأب يظل مثالا على الاكتمال الناقص كما يسميه السارد..

مفردات كثيرة لا يعنيني هنا شرحها أو تكرارها فذلك لا يغني  عن قراءتها في العمل لكنني أشتق منها حكمة العمل وهويته وكيفية انتظامه فأجد أن الياس نجح في التقاط مفردات دالة من متوالية حياته وغيّبها بشفافية التخييل الروائي فأنتج عملاً مغريا بوقوعه في المابين زمنا ومكانا وحدثا وبناء فنيا,

وحسبه أنه أثار مجددا صلة السيرة بالرواية وامتصاص احدهما لمفردات الآخر والإفادة من التربية المسيحية البيتية وإضافات الوعي إليها والتنقل في الزمان والأمكنة بينما  هو كالسفينة في اللوحة يبحر ثابتا في مكانه من الأرض التي اختار الحياة عليها ومطلا منها على ماضيه وحاضره.

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh