Document Title
21/09/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أرض اليمبوس  بتاريخ 2007/10/26
  الحقيقة المؤجلة في الإبداع الروائي بقلم د· فيصل درّاج - الدستور، الملحق الثقافي
 

سعى إلياس فركوح، منذ بداياته الأولى، إلى تمييز ذاته، مدركاً أنّ الشخصية الكتابية أسلوب لا يختزل إلى غيره، وأنّ كتابة تائهة الأسلوب لا ضرورة لها· وسواء احتفى القارئ بروايتيه : "أعمدة الغبار" و "قامات الزبد" أو لم يحتفِ بهما ، فإنّه سيذكر منهما، إن كان قارئاً جاداً، أمرين : أولهما عمل في اللغة يقترب من الصناعة، وثانيهما وحدة العملين الأكيدة، التي تعيّنهما عملاً واحداً، أو تكاد· ولعلّ هذين البعديْن الإيجابييْن، فاشتقاق الشخصية من الأسلوب فضيلة كبرى، هما اللذان يفرضان على القارئ أن يقرأ عمليّ فركوح بين روايات عربية أخرى، طالما أنّ صاحبهما لم يرغب ، منذ البداية، أن يكون كاتباً مطمئناً يداعبه الاستسهال، بل أراد أن يكون روائياً حقيقياً، يحاور غيره من الروائيين، ويقدّم إضافة خاصة به·

يستطيع الناقد، ربما، أن يقع في العملين السابقين على آثار روائييْن متميّزيْن: أولهما غالب هلسا، الذي قاسمه فركوح فكرة "النثر اليومي"، إذ الرواية شكل من اليوميات أو ما يشبهها، تدور حول مفرد يتكلّم ويوزّع كلامه على غيره· وثانيهما : إدوار الخرّاط الذي أخذ منه إلياس، ربما، الصناعة اللغوية، التي هي ردّ جمالي على واقع لا يلّبي من رغبات الروائي شيئاً كثيراً· هناك، في الحالين، مغترب نموذجي، يشتق خفة التاريخ من رخاوة نهار قوامه الرتابة، ويردّ على ما يخدش الروح بلغة مصقولة، لا ترحّب بها اللغة اليومية كثيراً· بيد أنّ الياس، الذي وحّد بين الشخصية والأسلوب، لا يكتفي بمحاكاة غيره، مُؤْثراً حوار ما يمكن حواره والذهاب إلى مساحة خاصة، لا تلتبس بغيرها· ولهذا يفترق إلياس عن هلسا في شكل التعامل مع اللغة، وينفصل عن الخرّاط مدرجاً "التاريخ القومي" في الخطاب الروائي· وواقع الأمر أنّ "الما بيْن"، الذي سيقول به الروائي في عمله الأخير : "أرض اليمبوس"، كان ماثلاً في تصوّره منذ زمن، أي منذ أن أدرك ، مبكّراً ، أنّ العمل الروائي الذي لا تحتشد فيه أعمال سابقة عليه لا يأتي بجديد·

يصل إلياس فركوح في "أرض اليمبوس" إلى عمله الروائي الأكثر إتقاناً ،  · بل يصل إلى عمل يجد لذاته مكاناً مريحاً بين أفضل الروايات العربية التي ظهرت هذا العام· يتكئ هذا الحكم النقدي على الموضوع الذي عالجه الروائي، لكنّه يتكئ أكثر على العناصر التقنية التي أنتجت الخطاب الروائي· والموضوع هو : اللايقين، أو النقص المتوالد الذي لا سبيل إلى تجاوزه، أو المعنى المخادع الذي كلّما توهّم الإنسان القبض عليه تسرّب من جديد · ومع أنّ الرواية ، من حيث هي جنس أدبي، تجعل من المعرفة الحوارية، أو من نسبية المعرفة ، عنصراً أساسياً في بنيتها الكتابية، فإنّ الأعمال التي تحقّق ما تقول به النظرية ليست كثيرة، إن لم تكن قليلة، أو تتاخم القليل· أراد فركوح لروايته ألاّ تنزاح عن النظرية كثيراً، مدركاً ، بحذق كبير، أنّ معنى العمل الروائي يقوم في التقنية التي صاغته، التي تتفق مع النظرية وتوسّع آفاقها·

بنى الروائي عمله، كما يردّد بشكل إيقاعي، على فكرة النقص، فلا شيء يكتمل ، ويظل ناقصاً إنْ استعان بآخر· يقود هاجس النقص إلى التعدّد، طالما أنّ المفرد لا ضمان فيه، وأنّ التعدّد يفصح عن اللايقين، فلو كان اليقين ممكناً لما التمس المفرد عوناً من غيره· وبسبب هذا المنظور تستدعي كل علاقة روائية علاقة أخرى وتحيل كل علاقة، مهما كان شأنها، على عنصر، أو عناصر، مبرهنة أنّ المعنى لا يقوم في العلاقات بل في الفسح القائمة فيما بينها، ذلك أنّ "الما بيْن" هو المعنى الأخير، الذي لا يراهن عليه· تبدو "أرض اليمبوس"، في مستهلها ، رواية، أي فضاء متخيلاً يتوسطه "مركز لغوي"، هو صورة أخرى عن "مركز حكائي" ، يسرد حكايته ، ويترك آخرين يسردون حكاياتهم أيضاً· بيد أنّ الفضاء المتخيّل ، المطمئن إلى مركز مزدوج، لا يلبث أن ينتج ارتباكاً ، فنياً، يضع إلى جانب المتخيّل الصريح "سيرة ذاتية"، تدلّل على وجودها "الأنا" الساردة ومراجع واقعية، محدّدة المكان والزمان· وواقع الأمر أنّ الروائي ، المسكون بفكرة اللايقين، لا يطمئن إلى أحادية الصوت، بل أنّه لا يطمئن إلى تعددية الأصوات، إلاّ بقدر، فيضع الشخصية إلى جانب شخصيات ، كي تتحاور وتتداخل، متحوّلة إلى شخصية إنسانية شاسعة يخترقها القلق·

تنتج سطوة النقص تعددية المكان، الذي يبدو واضحاً وشديد الوضوح حيناً، ويبدو واهن الملامح، حيناً آخر، مسقوفاً بالأطياف وغيوم الذكريات· تتداخل عكا ويافا والقدس وعمّان، إذ في الأولى حياة مضت وفي الثانية ذكريات هاربة وفي الثالثة حنين موجع وحكايات منقضية والأخيرة موقع حكايات شتائية وسيرة حياة طافحة بما يسر ولا يسر· وعلى الرغم من تراصف الأمكنة المحددة الاسم، فمعناها جميعاً ماثل في الحكايات، الصادرة عن ذاكرة تخون ولا تخون، ذلك أنّها أشبه بغربال جيد الصناعة· لايحضر المكان بل يحضر ظله، ولا يحضر المكان إلاّ إذا استضاف آخر يضيء عتمته، فصور الأمكنة جميعاً رهن بذاكرة قلقة يخالطها البَدَد· غير أنّ الأمكنة، ثابتة الأركان كانت أو عرضة لوهن الذاكرة، لا معنى لها خارج الأزمنة التي تغلّفها، تلك الأزمنة الجامحة التي تبدو كنثار من الوقت، بعيداً عن زمن تتابعي واضح المفتتح وثابت الخطا· ومع أنّ فركوح يمر، كعادته، على فلسطين وعام 1948 ، ثم على هزيمة العرب في الـ 67 ، وصولاً إلى حصار العراق وهزيمة العرب في العراق، فإنّ أزمنته المتعددة تنبثق من الحكايات لا من تواتر التاريخ المستقيم، وتنبجس من "مناخ الوعي"، إن صحّ القول، إذ في الكآبة ما يستذكر هزيمة ، وإذ في رائحة القماش ما يضع شوارع القدس تحت بصر الذاكرة·

لا شيء له مركز، والمركز الصلب الذي يدّعي قول الحقيقة فاسد، وجميع المراكز لا وجود لها، فمايوجد هوامش متعددة، طالما أنّ الذاكرة مكشوفة الغطاء ومليئة بالشروخ· وبسبب غياب المراكز، بلغة الجمع والمفرد، لا يكون للسارد الأول غبطة ممتلئة، كما كان يفعل الراحل جبرا إبراهيم جبرا،  فهو موزّع على شخصيات يسردها وتسرده باحثة، جميعاً، عن حكاية لا تكتمل· فإلى جانب السارد الأول، الذي يروي من حياته الذاتية أشياء كثيرة، هناك الفلسطيني المتأنّق الذي يحشر الحديث عن فلسطين بين كماليات أخرى، وفلسطيني آخر مليء بالنقاء والعذوبة، وصور النساء المتلاشية التي أسبغ عليها النسيان صفة وحيدة، وشخصية الأب المنسوجة من التواضع والحكمة والندى، ومرايا الإشراق والانطفاء · كل شخصية توجد واضحة، كما يأمر بها مبدأ المساواة الروائي لكنها لا توجد، على مستوى المعنى إلاّ بغيرها، ذلك أنّ صورة الفلسطينيين كامنة في تأويل يتجاوزهما · اتكاء على مبدأ المساواة وإضاءات التأويل المتبادلة ، واتكاء على منظور روائي يرى العالم في تعدّده، أدرج الروائي في نصه لغات متعددة : الحوار الموجز واللغة التأملية الكثيفة ولغة السرد البسيطة واللغة العامية ولغة غامضة ملتبسة، تتاخم الشعر أو تساكنه· والتعدّدية اللغوية، بهذا المعنى، ليست مصطنعة وهي بعيدة عن التصنّع والصناعة لأنّها استجابة مطابقة للمنظور الروائي، تضيء تعدّدية الأمكنة وتستضيء بها، وتحاور زمناً روائياً بعيداً عن الصلابة والتماسك· فما يتعدّد ينقسم، وما ينقسم يتصل بغيره وينفصل عنه، وعلاقات "أرض اليمبوس" مرايا مختلفة لجدل الاتصال والانفصال·

أدرج إلياس فركوح في روايته إشارات دينية متعددة ·  لكنّه، وهو الروائي المأخوذ بفكرة النقصان، حوّل ما يبدو دينياً إلى مادة روائية بين مواد أخرى· وفي الواقع فإنّ فركوح ، المفتون بلغة خاصة، ليس مهجوساً بفلسطين بل بما يحيل عليها، ولا بالدين بل بما يرمز إليه، ولا هو مشدود إلى هذا المكان أو ذاك، لأنّه مشدود إلى الصور البشرية المتناثرة على الأماكن جميعاً·  لذا يحوّل المادة الروائية ، في مصادرها المختلفة ، إلى علاقات قيميّة ــ جمالية· فإذا كان التصوّر الديني للعالم يطمئن إلى فكرة "الأصل" الذي ينكر التغيّر، فجميع العلاقات في رواية فركوح متبدّلة متغيّرة، ترضى بـ "اسم" معيّن وتقع، لاحقاً، على اسم آخر· وهو ماجعله يبدأ بـ "مريم" وينتهي إلى "ماسة"، التي هي مجرّد قناع لوجه واسع لا وجود له، كما لو كان لا يقبل بالموضوع إلاّ إذا انزاح عن موقعه وجاور موقعاً آخر·

لا تصدر دلالة العمل الروائي عن مضمونه، قال بالنقص أو بالكمال، إنّما تتعيّن ، وتتحدّد وتقاس بالعناصر التقنية التي أنتجت معناه · وبسبب ذلك تُقرأ رواية "أرض اليمبوس" ، في علاقاتها كلها، انطلاقاً من التقنية الفنية  المندرجة فيها· وبداهة فإنّ تعددية المعنى، التي تفتح أمام القرّاء أفقاً واسعاً، لم تكن ممكنة من دون العناصرية التقنية التي أعلنت عن "مأساة النقصان" بأشكال مختلفة· يستهل الروائي عمله بمجاز "السفينة"، تلك الملتبسة المتماوجة الغامضة التي تنتهي إلى موضوع ، وإشارة : فهي موضوع من حيث هي صورة ملوّنة مؤطرة تشيع ملامحها إيحاء قاتماً، وهي إشارة إلى روح إنسانية مضطربة ، تهجس بالغرق واللهب وما يدع كيان الإنسان خارجه· وإضافة إلى المجاز الموحش، الذي يحايث الرواية بإيقاع لا انقطاع، استعمل الكاتب تقنية القرين، حيث في الشخص المتكلّم شخصية أخرى، تحاوره وتتدخل في حديثه وتضاعف تساؤله· بل أنّ السارد الذي حذف المسافة بينه وبين شخصيات قريبة منه، رحّل قرينه إلى هذه الشخصيات، واستولد من كل منها قريناً جديداً· وتكثير القرين، أو القرائن، درب إلى تعددية الكلام، التي تعلن عن القلق والسخرية في آن· لن تختلف وظيفة الفصل بين الزمن الفيزيائي المباشر، الذي يأتي بارداً مربوطاً بتاريخ معروف، والزمن النفسي، الذي يحوّل التاريخ البارد إلى دوّامة من الأسئلة، ويقترح لغة تنوس بين الوضوح والغموض· لا غرابة في تصوّر ينصاع إلى عتمة الذاكرة أن يحضر، بعفوية كاملة، تيار اللاوعي وأن تحضر فسحة زمنية واسعة· وإذا كان تيّار اللاوعي يستحضر الأحداث معتمداً على صدفة لاهية، يزاملها لون أو رائحة أوصوت وكل ما يترجم الحدث العارض إلى صورة وإحساس ، فإنّ عمق الذاكرة القلقة هو الذي يفرض زمناً مديداً، يمتد من بواكير الطفولة إلى أبواب الكهولة مروراً بـ "صبا"، اختلط بكثير من الرغبات والنزوات· وعلى الرغم من أزمنة متراكمة لا متجانسة يظل زمن الطفولة، في رواية إلياس، هو الأكثر جمالاً وكثافة، لأنّ في زمن الطفولة من الأسرار ما يساوي أسرار سور الصين·

التمس إلياس فركوح من العناصر التقنية مايحتاج إلى دراسة مفصلية· فإلى جانب القرين والمجاز الاستهلالي وتيّار اللاوعي ميّز الكاتب بين النص و "عتبة النص"، فوضع لكل فصل روائي مدخلاً خاصاً به، هو تمهيد وتعليق وتأويل في آن، موحياً بأنّ السرد لا يقول تماماً بما يصرّح به ، لأنّ وراء كل نص صريح نص مضمر أكثر اتساعاً· وزّع الروائي نصّه على أقسام ثلاثة أولها : السفينة، المدخل المحمّل بالقلق والالتباس وثانيها : الأسماء، القسم الناطق بسخرية مضمرة، ذلك أنّ اسم الإنسان الحقيقي هو ما تقترحه الذاكرة المتحوّلة، التي تخلع على الإنسان اسماً ليس له وتخلع عنه اسماً عرف به منذ الطفولة· لن يكون القسم الأخير، أي : اليمبوس ، إلاّ امتداداً منطقياً لما سبقه· يتحدّث الروائي في الصفحة الأولى عن اليمبوس فيقول إنّه : "المنطقة الوسط، بحسب المفهوم الكاثوليكي، أو الثالثة، مابين الجنة والجحيم"، فلا الجحيم الخالص موجود، ولا وجود لجنة كاملة، مثلما أنّ الصواب المبرأ من الخطأ مجرّد احتمال لا أكثر· وسواء انتهى الروائي إلى "المنطقة الوسط" أو بدأ بها، فإنّ علاقات عمله كلّها تقول بالاحتمال ولا تقول بغيره·

ملاحظتان أخيرتان عن معنى الكتابة والحكاية لدى إلياس فركوح: ليست الكتابة عند الروائي وسيلة تسجّل موضوعاً، إنّما هي الموضوع الذي ينجز تحققه بوسائل عديدة· كتابة حرّة ، تحاور إمكانيات الكتابة، بعيداً عن كل كتابة شفافة مستقيمة· ولهذا تكون الحكاية هي البحث القلق الدؤوب عن كتابة الحكاية ، ذلك أنّ فعل الكتابة الروائية هو الحكاية الكبرى، لأنّ فعل الكتابة إشعار بالنقص ومحاولة محدودة لحصار مساحته·

وصل إلياس فركوح في "أرض اليمبوس" إلى عمله الروائي الأكثر إتقاناً، ممنتهياً إلى نص نوعي يضيء معنى الكتابة الروائية

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh