Document Title
26/07/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أرض اليمبوس  بتاريخ 2007/12/04
  حـرب علـى الـذاكـرة بقلم لمى كحال - جريدة السفير اللبنانية
 
تسيطر على القارئ حالة من تقلب المزاج وعدم الاستقرار أثناء قراءته الرواية الأخيرة للكاتب الأردني الياس فركوح، «أرض اليمبوس»، الصادرة عن دار «أزمنة» و«المؤسسة العربية للدراسات والنشر». ويعود ذلك إلى أمرين. الأول هو المضمون، إذ يقدم الكاتب في الرواية سيرته الذاتية بغية التخلص من «ثقل الذاكرة» ليغوص في عمق التعقيد النفسي. وتظهر بوضوح حالة عدم الاستقرار والتخبط مع الذات التي يحاول الكاتب أن ينقلها منه إلى القارئ. والأمر الثاني هو التقنية التي اعتمدها فركوح، والتي تقوم على أساس حوار غير مباشر بين وعيٍ يقوده الكاتب ويسرد فيه الأحداث على طريقته، وضمير يقوده قرينه الذي عاين الأحداث والوقائع عينها. وبدا القرين كأنه يتلقف الوعي لدى انزلاقه في مطب تحريف الوقائع أو ابتداعها لتلائم الحاجات الراهنة، معززاً بذلك قول الكاتب أن الكتابة الأدبية هي عبارة عن عملية حذف وإضافة.
سلطة المرض
تتسلل حالة التخبط بدءاً من عنوان الرواية، الذي يسارع فركوح إلى تفسير معناه في الصفحة الأولى المستقلة عن بداية الرواية؛ فأليمبوس هي «المنطقة الوسط بحسب المفهوم الكاثوليكي ـ أو الثالثة بين الجنة والجحيم، تودع فيها أرواح الأطفال الأبرياء الذين ماتوا قبل نيلهم المعمودية، لتزول عنهم الخطيئة الأصلية، ضمن الإيمان المسيحي». إذاً، هي أرض الوسط، أو أرض الما بين، التي يحصل أن يغرق فيها القارئ بتواطؤٍ غير معلن مع الكاتب. يغرق القارئ بين الحقيقة والوهم، بين الواقع والخيال، بين الحزن وشدة الحزن، بين حرب وقعت وحرب لم تقع بعد، وبين الواقعة التي وقعت والنموذج الذي ينبغي أن تكون عليه. في الرواية، إلى جانب سرده لأحداث الماضي، يركز فركوح بشكل كبير على فعل الكتابة نفسه، وفعل كتابة السيرة تحديداً، متناولاً مدى قدرة الإنسان على استعادة تفاصيل الذاكرة بحذافيرها. والعنصر الذي يلعب دوراً في ذلك، كما نلاحظ من خلال شخصية الطفل الذي ولد في سنة النكبة، هو أثر الحروب التي توالت في مراحل حياته المختلفة، فيقول «لن يموت في حرب من وُلد في أخرى»، وكأنه أعلن أنه سينتصر في حربه على ذكرياته المعقدة. وفركوح، المتصارع مع ماضيه، يعترف مسبقاً لنفسه أولاً ولقارئه ثانياً، استحالة أن يكون الانسان موضوعياً في سرد ما حصل معه، معلناً شرعية تفكيك ذكرياته وتركيبها من جديد لتكون «مريحة اليوم وكل يوم».
تبدأ الرواية في المستشفى، حيث يستلقي الراوي في سرير المرض، مخاطباً قرينه حول وجوب الشروع في الكتابة للتخفف من وطأة الذاكرة ولاكتشاف الأبدية. تبدأ بعد ذلك عملية السرد المتمثلة بتداخل الصور. ويتناوب الراوي البطل والراوي القرين على موقع السرد. نلحظ ذلك من خلال تغيير شكل الخط الكتابي، واستعمال القرين صيغة المخاطب، وكأنه يخاطب ذاته مصححاً ما سقط عمداً من الوقائع والمشاعر أثناء سردها. وُلد الراوي في عمّان، الأردن في سنة النكبة، عام .1948 وفركوح لا يذكر اسمه أبداً في الرواية، إلا أن أكثر من إشارة تعزز كونه يتحدث عن نفسه، منها الإشارة إلى أنه سُمي تيمناً باسم أحد القديسين، وسنة ولادته.
عاش الراوي في عمان مع عائلته. ثم ما لبث أن بدأ يتنقل بين عمان والقدس لأنه كان يدرس في مدرسة داخلية في القدس. تبدو ثنائية عمّان ـ القدس شديدة الدلالة والتأثير في حياة الراوي. فقد كان شديد الارتباط بالمكان الذي ولد فيه، والمكان الذي عرف فيه أول وأهم قصة حب في حياته. وكان يذهب إلى القدس بملء إرادته، ثم يستخدم الحيلة للعودة إلى وطنه ليبقى قريباً من حبيبته، مريم. ولكن الذهاب إلى القدس تحول إلى أمر مستحيل بعد قطع الطريق بين المدينتين عام .1967 فباتت تشكل إحدى مصادر الهزيمة بالنسبة إلى الكاتب، أولاً من حيث إنها أرض عربية مغتصبة، وثانياً لأنها تحتضن حبيبته مريم التي انتقلت للعيش فيها، وقد انعكست هذه الهزيمة على البناء الروائي، إذ أدت إلى التشتت والتداخل بين الأحداث.
من هنا، تظهر أهمية البعد المكاني في الرواية، والذي لا يقل أهمية عن البعد الزماني. فالمكان والزمان، ينسجان معاً هوية الكاتب، ماضيه وحاضره ومستقبله، انتماءه وصراعه وقضيته. وتظهر أهمية بعض الأحداث في حياة الراوي من خلال تكرارها في أكثر من موقع من الرواية. فأحداث وقعت في أمكنة مختلفة وأزمنة مختلفة يأتي على ذكرها في الحاضر، أي زمن السرد، في مناسبات مختلفة، وحتى بطرق مختلفة. فنرى التفاوت في كيفية سردها بين الراوي وقرينه، وبين المناسبات المختلفة. ونلاحظ تعمد الراوي ذكر التفاصيل، تلك التي منها تتبلور شخصية فركوح، والتي تحيل القارئ إلى دراسة عقلية الكاتب ونفسيته. من حيث البناء الروائي، لا نجد نسقاً متسلسلاً تتطور فيه المادة الحكائية. فالوقائع متداخلة والأفكار متشابكة تماماً كذاكرة الراوي. إلا أن ذلك لا ينفي قدرة فركوح على نسج فضاء روائي محدد بأزمنة وأمكنة متعددة، حيث إن شخصية الراوي هي المحور الذي تدور حوله الأحداث والأفكار، والتي نشهد من خلالها التطور الذي طرأ على تلك الشخصية.
إرباك
ونظراً إلى كون الراوي أعلن الهدف من الكتابة، وهو التخلص من ثقل الذاكرة «لنكون خفافاً وطلقين»، تأتي اللغة المستخدمة لتعزز هذا الهدف. فاللغة سهلة ومباشرة. هي تشبه لغة مستخدمة في مخاطبة الذات، لغة شخص يفكر مع ذاته، على الورق. ونلاحظ استخدام اللغة العامية باللهجة الخاصة بجنسية كل متكلم. فتطابق كلام والدة الراوي، مع لهجتها السورية، كونها تحمل الجنسية السورية. الأمر نفسه ينطبق على خضر، أحد أبطال الماضي، ولهجته الفلسطينية. كما يتناسب الأسلوب مع الإيقاع البطيء للرواية ـ السيرة. ونلاحظ ان فركوح التزم مبدأ السببية في سرده الأحداث، ولم يسمح للقدر بالتدخل في سيرورة الأحداث. بل إنه حاول تفسير الوقائع وإعادتها إلى أسباب خارجية كالحروب، والعادات، والطبيعة البشرية من دون أن يسمح للقدر بالتدخل في أحداثه. ونرى أيضاً توالي الحديث في المشاعر الماضية والراهنة، رغم أن مساحة الانفعالات في الرواية صغيرة. فالراوي لا يظهر انفعالاً إزاء الأحاسيس المختلفة، والأمر هذا ينعكس على القارئ. اللافت في هذه الرواية ـ السيرة، أنها تحتوي اعترافاً من الكاتب نفسه بأنه قام بابتداع بعض الأحداث أو الصور التي لم تحصل في الواقع. والأمر ليس نابعاً من الخيال، بل متصل بالطبيعة الإنسانية. إذ إنه حين ينسى تفصيلاً ما من الذاكرة، يحاول أن يجد في الحاضر تفصيلاً بديلاً يكون مطابقاً للتوقعات والآمال الراهنة، والدليل كثرة استعمال كلمات مثل «لعلنا»، و«ربما»، و«قد». وهذا يشكل إرباكاً للقارئ، بمعنى أنه يجعله يتساءل في أكثر من موقع من الرواية: هل يحاول الكاتب أن يشفى من ذاكرته مبتدعاً ماضيه بما يناسب حاضره، أم أنه يصرح فعلاً بما مر به وما عايشه؟
 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh