Document Title
21/09/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : أسرار ساعة الرمل  بتاريخ 2006/12/22
  المتتالية القصصية في «أسرار ساعة الرمل» لإلياس فركوح .. «ظلك الدليل والمرآة أنا» نموذجا .. بقلم طراد الكبيسي - جريدة الدستور
 


في الكتابة: ينظر جاك دريدا الى ما يدعوه ب «تحرير النص» من المرجعيات الخارجية والداخلية، بأنه ما هو الا اجراء يقصد به تحويل النص عن وظيفته التقليدية - كونه وثيقة - الى جماع الممارسات الانتخابية لدلالات تتولد عنه. اي دلالات قابلة دوما للانتاج انطلاقا من فراغات الكتابة، ومن المساحات «البيضاء» التي تولدها هذه الفراغات، هذه المساحات التي علينا ان نتلمسها بين ثنايا السطور، هي نوع من قراءة الغائب او تعليق النص.
وهذا يعني ان مفهوم الكتابة عند «مالارميه» - كما يفهمه دريدا - يؤسس فنا جديدا .يقوم على استغلال حركة رموز الكتابة في توليد نوع من الحقيقة «البيضاء» التي لا تتكفل بأن تنقل الينا صورا من الحياة او صوت الضمير وخلجات الوجدان، بقدر ما تتجشع ابداع عالم خيالي يصعب فيه التمييز بين الحقيقة والخيال.. وبهذا تتحدد وظيفة الكتابة الجديدة في انها ليست محاكاة تقريرية لمبادئ مثالية. وانما هي نوع من مغامرة الحرف واستنبات الورقة البيضاء واخصاب النص حتى ينمو ويتفرع في كل اتجاه، بعيدا عن كل وحدة موضوعية او ذاتية مفروضة عليه» (1).


وباختصار - وحسب رولان بارث - ان تخلق كتابة بيضاء يعني ان تكون محررة من كل عبودية لنظام معين من اللسان. كتابة هي نوع من الصمت، الصمت كنمط من انماط الوجود.
وربما يحيلنا هذا الى نظرية المحاكاة الافلاطونية: «الكتابة ظلال لظلال الاجسام والاصول، الكامنة في داخلنا» (2).
وهذا يعني «ان اللغة ليست باداة اتصال مناسبة ضمن حالات معينة وخاصة. فنحن نستعين بكلمات ومفردات اللغة من اجل رسم الظلال. اما «الاجسام» و«الاصول» فلا يمكن اخذها عبر وسائط ليست من طينتها. او جوهرها» (3). والكلمات ليس هذا حسب، بل هي اسيجة لحقل كلام خنقته اسيجة اللغة وارعبته قوى الفهم المنكهة.. انه الصمت.. و«يا للصمت من شاهد على ان كل الكلام باطل الاباطيل» (4). وهذا يعني ايضا: في الوقت الذي تكون الكتابة في درجة الصفر، يكون «الصمت» في درجة الانارة. لكنك لا ترى من الانارة الا ظلالها، شأنك اذ تجلس في باطن كهف بينما تمر الاجسام من امام بابة الكهف، فلا ترى الاجسام، بل ظلالها، فيخيل اليك او تتوهم ان الظلال هي الحقيقة. وهكذا ايضا، قد يحصل ان يلتبس على المرء احيانا: اهو من مر عليه ام الشخص الآخر هو من مر:
«كلما مررت علي
انسى»
وقوله ايضا:
«اكتشفني
بقحط الوثوق
يبابا شاهقا
وادرسني
بابتلال الافاقة
عشبا نديا» (5).
وباختصار نقول: ان الكتابة بالنسبة لالياس فركوح، لا جنس لها: «طاشت بعيدا عن اي تجنيس» سواء ما سمي «التجنيس المعتاد»: نثرا او شعرا بانواعها واجناسهما المتعددة. هنا تزول الفوارق وتتسع الحدود - ان كانت هناك حدود - وهكذا الكلمات: «كلمات معراة من قشور سطوحها» ولا تنتسب الا الى نفسها، او لنقل: كاتبها: «الكتابة مرآتي وانا الذي فوق وجهها المتعرق المضبب اخط حروفي باصبعي، سريعا وملهوفا، قبل ان يتبدد الندى، فأمحي انا اذ تتوه الذاكرة وتسيح: اذ تتغبش الذاكرة وتشيخ» (6).
وهذا يعني «ان الذات هنا: (في: ميراث الاخير) تستعاد لتنكتب بما هي لحظة زمنية/ لحظات عيشت وتم التعايش معها.. ومن هنا.. فإن الياس فركوح - يكتب ذاكرته، يؤسس لاستمرار الكتابة الادبية كما ينتجها ويفعلها ويؤسس معناها..» (7).

المتتالية القصصية
بين الرواية والرواية القصيرة والقصة القصيرة والمتتالية القصصية، اكثر من نسب: اولها - انها تقع جميعا تحت مصطلح القص او القصة او السرد الحكائي. وهذا يعني انها انواع من اصل نوع واحد، كاغصان مختلفة الاشكال والاحجام لشجرة واحدة.
ويذكر بعض النقاد ان لهذا النوع من السرد القصصي، عدة تسميات منها: «حلقة القصة القصيرة» بمعنى «مجموعة من القصص القصيرة التي ترتبط احداها بالاخريات الى درجة يتعدل معها فهم القارئ لكل قصة من خلال فهمه للقصص الاخرى».
وبتعبير آخر عن الناقد المصري خيري دومة (عن فورست انجرام): «انها تهجينات متميزة تجمع بين متعتين مختلفتين من متع القراءة: متعة الاطار المغلق لكل قصة على حدة، ومتعة اكتشاف الاستراتيجيات الاوسع التي توحد والتي تتخطى الثغرات الواقعة بين القصص».
ويضيف الباحث دومة: «ان قارئ (حلقة القصص القصيرة) «يتابع القصص وكأنها اجزاء متحركة على لوحة واحدة، او قل انه يقرأ المجموعة في حركة ذهاب واياب مستمرة بين القصص. لا بد للقارئ ان يظل في حركة بندولية بين هذه الاجزاء المتحركة، ويقرأ المجموعة من اولها الى آخرها، ومن اخرها الى اولها، او قل انه ينتقل من كل قصة في المجموعة الى بقية القصص» (8).
والحقيقة ان هذه الظاهرة في القصة القصيرة ليست غريبة. فكثيرا ما نجدها في القصص الغربي والعربي. ونضرب مثالا بقصة لبورخيس:
تتألف قصة بورخيس من ثلاث قصص: «الاسير. بورخيس وانا. متاهتا الملكين (9) قصص متوالية ترتبط بعضها ببعض برابط:
الاولى (الاسير) عن غلام هندي فقد اثر غارة هندية. قيل ان المغيرين اخذوه معهم. وبعد بحث عثر عليه ابواه. لكن الغلام الذي عاش حياة بدائية ما عاد يفهم لغته الاولى ونسي طفولته. وعندما جيء به الى بيت والديه والبيئة التي ولد فيها. ما عاد يحتملها. فهرب عائدا الى الامكنة المفتوحة. وهذه رمزية الى: كأن الغلام او الابن المفقود، ولد مرة اخرى ومات في اللحظة ذاتها - اي امتزاج الماضي والحاضر فيه.
الثانية: (بورخيس وأنا): بورخيس يتحدث عن بورخيس: ماذا يحب ويكره. ومن يكتب هذه الصفحة: بورخيس.. أم بورخيس الآخر؟
الثالثة: (متاهتا الملكين): ملك بابل يشيد متاهة معقدة.
وعندما زاره ملك عربي، رغب ان يداعبه ويكشف عن سذاجته، فأدخله تلك المتاهة مما اشعره بالاهانة. وعند عودة الملك العربي الى بلده، جمع جيوشه واغار على ملك بابل واسره، ثم ادخله في متاهته: (الصحراء) وتركه يموت عطشا وجوعا في جوف الصحراء.
هذه القصة تعتمد - كما قلنا - بنية مجموعة القصص القصيرة المتتالية: «حلقة القصة القصيرة» ويربط بين القصص الثلاث، بالرغم من أن كل قصة مستقلة تماما عن الاخرى، هو التيه. والتنازع بين الشخص والشخص الاخر: «المماثل لذاته» اي ذات الشخص الاول. لكن الاخر يتميز بأنه الذات الناقدة للشخص الاول، حيث يكون منظورا بقدر ما يكون خفيا على المستويين الخارجي والداخلي للكائن الاول.

اسرار ساعة الرمل (10)
تبدأ القصة ب «الكاتب يبدأ»: «قلب الساعة الرملية واخذ يتأملها»: وهنا يكتشف الكاتب سير تولد الحكايات وبناء الاحداث القصصية في عوالم مغلقة. وهكذا - يبدو الكاتب، وكأنه ولد كاتبا من جديد. وراح يقص!
تبدأ القصة من (القبو) وتمتد الى داخل (الغرفة الموصودة) ويقع ما يقع من حكايات واحداث. وينتهي الكاتب (بين التاسعة والعاشرة) من الحكاية الاخيرة. ولكنه لم ينته. بل وكأنه لم يكتب. فالاوراق ما تزال بيضاء: «لكنها - بصمتها - كأنها قالت كل شيء» - وكأنما لم يخط فوقها كلمة»، اذن من كان يروي ومن كان يكتب؟ من هو الكاتب وأين المكتوب؟ هل يكون هو ليس هو. ام يكون هو الاخر. اذ غالبا ما يكون هو الاخر الذي ينسج حكاياته على نحو ما ينسج بورخيس باعتبار: «ان الاشياء الجيدة لا تعود ملكا لأحد - ولا حتى للرجل الاخر - لانها تصبح ملكا للخطاب او التراث».
واذا نظرنا الى القصة هذه بعناصرها القصصية الثلاث، باعتبارها «متتالية قصصية» يصح التمثل باعتبارها ايضا «متتالية حلمية» حسب توصيف د. احمد خريس حيث قال: «اذا اردنا المعالقة بين طبيعة ورود الحكايات في هذه القصة والاحلام. فبالامكان ان ننظر الى محتوى الحكايات نظرتنا الى محتوى الاحلام التي تحدث في ليلة واحدة. فكل حلم فيها يشكل جزءا من كل كبير» (11).

ظلك الدليل وانا المرآة:
-1-
المشكلة مع هذا النص انه اكثر تعقيدا، حيث انه يتألف من احد عشر نصا، تتراوح بين الصفحة وعدة صفحات لكل نص. وتؤلف بمجموعها خمسين صفحة تقريبا. وبهذا يكون النص اقرب الى الرواية القصيرة منه الى الرواية او القصة القصيرة. انه نص يتألف من عدة: مشاهد، لوحات، او قصص قصيرة تشكل (متتالية قصصية) ولكل مشهد او لوحة او قصة، عنوانه الدال عليه، او على مجرى الاحداث في سياق النص الواحد مع النصوص السابقة، او النص مع النصوص اللاحقة، او النص في جامع النص. (12).
يبدأ النص: (ظلك الدليل والمرآة انا) ب(النص الاول: (دفء اول). وهذا يوحي بأن ننتظر ان يكون هناك: دفء ثان او اكثر من دفء لاحق. والدفء يعني فيما يعني: ان نكون عند موقد النار. او داخل فراش دافيء، او في حضن امرأة. او في رحمها. لكن هذا «الدفء» كان هناك لأن «البرودة لم يكن ميقاتها قد حان، بعد». يعني - وحسب الخطاب هنا، اننا ما نزال في دفء مبتدأ الكون او الخليقة - حيث لا «ثلوج كليمنجارو» ولا كهوف الاسكيمو الثلجية، ولم يكن هناك زمن باربعة فصول، ولا... الخ. لقد استيقظ الرجل والمرأة: (ادم وحواء) ليجدا انهما بكلمة واحدة: (كن) فكانا.. وراح الواحد يتلمس الاخر ليتأكد ان كان وهما ام حقيقة:
«كان الواحد منهما، كلما تعرض لمزيد من الجس المتجدد لاصابع اكتسبت خبرة المرات السابقة، يرتعش من داخله، يرتعش وتغيم عيناه، تغيم عيناه ويكف عن المعاينة المدققة لهذا الجسد المتماسك والناهض. بنعومة جلده ولدونة تكويناته. ويترك لحرارة باطن كفه فرصة التعرف على الدفء الكامن هناك.
الدفء كان هناك
والبرودة لم يكن ميقاتها قد حان
بعد» (ص74).
ثم خلق الفكر: «وكأنما التفكرات والخواطر تنبض وتشع اتية من مصدر واحد» (ص75). وتأخذ الاحداث بالجريان كما هو مقدر لها. وراح الجسدان يرسل كل واحد منهما. اشارات «الرغبة» والنبض المتوحد. فتبادر المرأة:
«ثمة رعشة تحرك قلبي!
يقول الرجل: وانا ايضا.
احار في وصفه.
انه اشبه بالخوف.
نخاف بعضنا؟
نحن نحب بعضنا..
ويسارع الى احتضانها». (ص76).
لكن - مع هذا - ثمة احساس بأنه بعد كل «رغبة» افتراق، حيث لا يلبث ان يتحول الكائن الملتهب الى حجر يبرد ويتجمد رويدا. حجر له وجود، وليس وهما. وان كان ما يزال قريبا من العدم. (ص78).

-2-
وبحكم الالفة صار من الصعب ان يغيب احدهما عن الاخر طويلا: «كانت ترى انه دائم التخلف، واجدة انها، بدورها، تطيل الانتظار. تجلس كالتمثال في ركنها، بينما يسيل الوقت ويغمرها من غير اكتراث..» كما اعتادا الاماكن التي يذهبان اليها: «مقهانا الاول: مقهى المواعيد الاولى..»، وهكذا صارا «اكثر حقيقية من اي شيء» وتحول ما كان يظن خيالا، ظلا لهما. ومن الواقع والخيال تنخلق الكتابة: في البدء كانت الكلمة. ومن الكلمة او الكلمات تصير الحكاية: والحكاية - كما هي في البدء: «رأيت فيما يراه النائم ارضا خصبة بكرا لم يطأها بشر من قبل تظللها غيوم خفيفة تسوقها ريح طرية تهب على رجل وامرأة كانا عاريين لا يخجلان من جسديهما يدنوان من بعضهما كأنما سحر جاذب ينبعث منهما فيتلامسان ويكتشفان ويجسان ويوغلان في تفاصيلهما حد الخدر والنعاس.. الخ» (ص90) حيث يستعيد السارد - فيما يرى النائم - مشهد آدم وحواء تحت شجرة الجنة المحرم عليهما ثمرها - يأكلان من الثمر المحرم، حالمين - او متوهمين: انهما الاقدم من كافة الاشياء. وانهما الحقيقة - بالرغم من ان الحقيقة - او هذا الوجود لا يكون كاملا الا بوجود الاخر. (نصف الاخر) - اي مثل الحقيقة والخيال، او الشيء وظله: (ان يرى نفسه في مرآته). اي ان يدخلا كأي اثنين ويملآن الحكاية (ص90).
والحقيقة انها هي من تملأ الحكاية، وكأنما بات حضوره زائدا. وانها لتقرؤه كما تقرأ في كتاب مفتوحة اسراره:
«وأعاين الجديد داخل المخبوء فيه: هناك تتوالد مئات الاشياء كل يوم. تتغير فيتغير هو. لكنني اعرفه اكثر مما تعرف امه عنه. لن يكون عندي سوى الاول. انه يولد مختلفا معي وسوف يظل هكذا. انه ليس هو الذي زعق حين خرج ملطخا بدمه ودم من ولدته. او هو ما عاد الكائن ذاته.. لم تكن النسوة، جميعهن، من هيأ له ان يعرف الخبيء الكامن في المرأة. في مرة نزعت عني دبق الحكي اليومي، ورميت عليه صفتي الاولى، كأنما اشير الى امر مفروغ منه:
«انا امك يا رجل!»
وفي مرة اخرى:
«انا صغيرتك يا رجل!».
وفي مرمى النهاية:
«انا امرأتك الاولى والاخيرة يا رجل!» (ص91-100).
وفي المحصلة النهائية - وبالعودة الى مقال د. احمد خريس: ان الحكايات هذه في (ظلك الدليل والمرآة انا): «احلام تحدث في ليلة واحدة، فكل حلم فيها، يشكل جزءا من كل كبير» وحيث تؤكد المرأة قائلة:
«لست واثقة من حقيقة ما حدث داخل الحلم: حلمي.. او حلم» «ص101». ثم يتواصل الحلم في جزء آخر منه - لكنه هذه المرة، حلمه هو، حتى تكتمل الصورة «حلمت بأني ابحث في الهواء عن الجزء المفقود من الصورة، كنت افتش بين طياته، وادفع بيدي كالاعمى، عل اصابعي تعثر او تتعثر بما ضيعناه طوال الوقت، وحين تتبين الرؤيا: بين الحقيقة والوهم .. يدخل الحلم في الحلم، يتواصل البحث عن الجزء المفقود من الصورة:
«التزمت الصمت اصغي الى دفق يسري في داخلي او ينبجس مني، في حين احاول التذكر بأنني ما زلت احلم باحثا في الهواء عن الجزء المفقود من الصورة» (106).
-3-
وفي (البحر يطرق الباب) يبدو كم صعبا على المرء ان لا يستطيع ان يقول ما يريد ان يقول، او ان لا يجد الآذان الصاغية، وان يتحول المستمع الى ضرب من الزئبق لا يكاد يمسك «كان حقا يود ان يقول لها ذلك، لكنها توارت - مثلما جاءت وتجيء - كأنما هي فكرة، او ما يشبهها، توارت حاذفة من سمعها ما تراه امرا مهما لم يقله» (ص 109).
فيلوذ بالصمت، ولكن اي صمت! انه ايضا زئبقي لا يثبت على شكل، او ان له الف شكل:
«الصمت اشد الاشياء فداحة» او:
«كم يكتظ الصمت بالبلاغة»، او:
«حين اصمت يندفع العالم بالحديث اليك» (ص 109).
واشد الامور عسرا ان يقرأ الآخر صمتك، فيفهمه لا كما تريد، او كما يريد هو (انا افهمك دون ان تنطق) - وقد تكون في الصمت احيانا وحدك ولست وحدك، وقد تتكاثر في الصمت (ص 111).
كان هذا حلم، ثم يستيقظ من الحلم: (فتح عينيه ورأى): رأى الواقع امامه ماثلا في بيته «المكان حيث يعيش ويجلس على الاريكة ليرى كل شيء من حوله مضاد تماما» - حيث لم يبق مما رأى وحصل في الحلم سوى بعض الصدى الذي لم يلبث ان تبدد، لكن الصوت: (سنكون كثيرين في الصمت) ما يزال يرشح منه هو، وانه الآن يختبر ولادة الاشياء من جديد، والبحر ما يزال يقف على الباب.
وما بين اليقظة والسقوط في النوم: يندس موج ازرق متخطيا العتبة، لكنه هذه المرة، الطوفان الذي يلد او تولد منه الخليقة والاشياء ولادة جديدة، حيث (وجعلنا من الماء كل شيء حي) .. وحيث التأرجح بين: قبل وبعد، بين زمنين: زمن مضى وزمن آت،
«بين زمنين نتحرك معا ولا حرج علينا، لسنا هناك، ولسنا هناك، نحن بينهما داخل الهنا» (ص 117)».
وبعد الطوفان كان صحو وسكون: وهنا تستدير المتتالية القصصية الى حيث ابتدأت: الخلق الاول، عندما صدر الامر الازلي: «كن فكنا».
وتظل هي (المرأة) - (حواء) تستذكر الايام الاولى مع آدم في الجنة، ويوم وقعا في الخطيئة بأكلهما الفاكهة المحرمة (التفاحة). ولأن ادم لم يأكل من التفاحة مثلما فعلت هي، وظل آدم (غائبا) كأنه في حالة حلم نوم ابدي، او ان السارد نفسه لم يكن في سرده الا سارد حلم، ولأنه يرغب في ان يطهر العالم من اثامه ويعود به الى الحالة الاولى: «عالم يطفو فوق مياه الخليقة الاولى: الغمر البدائي الثقيل ..»، وليتأكد من ان القبلة قبلة الحياة او قبلة الموت، فقد ظلا في التيه: ظلان انكمشا واتحدا يرصدان المرأة وهي تقبل على فم الرجل بفمها وتغيب في ما يشبه الغفوة الممتدة:
«في ما يبدو قبلة الحياة .. او قبلة الموت» (ص 121).

استنتاجات
في هذه المتتالية القصصية (ظلك الدليل ..) نجد الرموز والكنايات والتأويلات التالية:
اولا: الفعل الجنسي هو يغير ويطور الانسان - الرجل، بنقله من مرحلة الى اخرى. وفي القصص هذه اشارات وكنايات كثيرة الى هذه المسألة، سواء جاءت في خطاب المرأة او الرجل او في الحوار الذي يدور بينهما احيانا، وبالذات حول كونهما: وهما ام حقيقة، وفي «ملحمة جلجامش» تبدو المسألة هذه اكثر وضوحا في (انكيدو) الذي كان في مبتدأ امره يرعى العشب والحشائش مع الحيوانات ويعيش عيشتها ويمشي على اربع. ولما بلغ خبره الى جلجامش ارسل «البغي شمخة» لتغويه وتعلمه كيف يكون ويعيش انسانا. وهذا ما حصل حيث بعد ممارسة الجنس المكثفة مع البغي شمخة راح انكيدو يمشي على اثنتين، وبعد ان تحررت يداه تحول الى رجل ند لجلجامش.
ثانيا: عندما حرم على آدم وحواء ان يأكلا من ثمر الشجرة (يقال انها شجرة التفاح) لم يكن منعهما من تذوق ثمر تلك الشجرة هو المطلوب، بقدر ما كان الامر كناية عن تذوق ثمرة الجنس وهما في الجنة، لذا بعد ان ارتكبا فعلهما او الفعلين معا: (تذوق الثمر وممارسة الجنس، أهبط بهما الى الارض بشرا متوحشا.
ثالثا: يصف بعض الكتاب آدم في مبتداه (بالرجل الخنثى) ليس ثمة ما يحفزه لأن يفكر ويحلم، ولكن بعد ان انتزع الله الجزء الانثوي من ضلعه (حواء) وصار في مواجهة الآخر: (حواء)، تغير كل شيء فيه، من جسده وحواسه الى عقله ومخيلته: «ولحظة ان تماسا بالاصابع - تلك هي المرة الاولى - صمت الكون فجأة، وانصتت مخلوقاته لما سوف يحدث» (ص 73)، و«كأنما التفكرات والخواطر تنبض وتشع آتية من مصدر واحد، تسافر لتصل المرأة والرجل بلا لون يمكن رؤيته، ثم تسكن فيهما»، ذاك ان «المصدر واحد، وهما اثنان، امرأة ورجل» (75).
بل انهما استطاعا ان يخلقا فلسفتهما الخاصة حول الوجود والعدم، الوهم والحقيقة: (انت لست وهما)، (وأنا لست كذبة). والحضور والغياب: (الحضور الزائد يؤدي الى غياب زائد). وضرورة ان يكون الآخر، ويفكر الآخر بالآخر، لأن خلو الواحد من الحكاية، يعني: لا حكاية. ( ص 91).
رابعا: يقول ابن عربي: ان الجسد الاصلي الآدمي انفصم لتنجم عنه الذكورة والانوثة، والمفاضلة الاصلية بين الذكر والانثى عرضية لا جوهرية، والعلاقة الجنسية رغبة في استعادة الجسد الآدمي الاصلي، ومن ثم يغدو النكاح صورة اصلية لحركة الوجود، باعتباره كان اصلا في الاشياء كلها، اي ظاهرة كونية تتم بين الحروف والليل والنهار والسماء والارض، وهذا يدعو - حسب ابن عربي - لاعتبار الانوثة الشكل الاسمى للوجود، فالانسان محاط بانثيين هما المرأة والحق «فان الرجل مدرج بين ذات إلهية ظهر عنها، وبين امرأة ظهرت عنه، فهو بين: تأنيث ذات وتأنيث حقيقي».
خامسا: حين نذهب الماء - والماء يرد كثيرا بهيئة رموز وكنايات واستعارات - يتمثل هذا الماء -بهيئة طوفان - او في الاقل - ماء يحيي ويميت!
واذا ما استذكرنا حادث الطوفان، كما ورد في ملحمة جلجامش، وفي (سفر التكوين) من الكتاب المقدس، وفي القرآن الكريم، نجد ان السر في حدث الطوفان هو ان الارض امتلأت ظلما وشرورا وضوضاء. فكان لا بد من «اعادة البشر جميعا الى طين» وهكذا «محو كل قائم على وجه الارض:الناس والبهائم والدبابات وطيور السماء» اي تطهير العالم من الآثام، واعادة خلق الاشياء من جديد، وبالماء نفسه الذي امات الحياة، يعاد خلق الحياة (وجعلنا من الماء كل شيء حي). وقال ايضا (والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على اربع).
اذن، تلك هي ثنائية الموت والحياة، ودائرتيهما: (عدم، وحياة ثم موت وحياة)، وهكذا .. فقد خلق الله الوجود دائريا. اي مبنيا على دورة كونية كبرى، قال ابن عربي «ما خلق الله ما خلق من غير ان يكون فيه ميل الى الاستدارة او مستديرا في عالم الاجسام والمعاني» (14).
وجاء فيما جاء في المتتالية القصصية التي نحن بصددها: (ليس هذا زمني .. بل كأنما هو زمن قديم يجيء او زمن قادم يذهب، وبين هذا وذاك: كأن مطرا كاسحا اصطخب مندلقا من السماء، خارجا من سحابة افرغت ماءها، فأنمحت الفتاة صاحبة الورد الذابل» (ص 112).
سادسا: ما يمكن ان يقال في «ظلك الدليل والمرآة انا» .. الظل هو انا الآخر، والمرآة: انا ال (هو). وبتعبير آخر: الظل هو صورة الشيء في حقيقته الخيالية، اما المرآة: فهي واسطة تكثر الاشياء وتعددها، وقد يكون الآخر مرآتك في نفسك، وقد تكون انت مرآته في رؤيته نفسه، وهكذا تلتبس الحقيقة بالخيال، والخيال بالحقيقة، وصورة الشيء بالشي، والشيء بصورته: صور وخيالات وظلال كلها تدل على بعضها بعضا. لأنها كلها خيال، ولا حقيقة الا الحقيقة الخيالية: «والخيال مرتبط بالكثرة، والحقيقة بالواحد، وهو دليل لكي يتمرأى الكثير في الواحد، والواحد في الكثير من جهة، ولتغدو المعرفة ممكنة» (15).
الهوامش:
1- عن مقال محمد الكردي (مفهوم الكتابة عند جاك دريدا) مجلة (فصول) ع 68 - شتاء - ربيع 2006 - ص 261 - 262.
2- الياس فركوح: (ميراث الاخير) دار ازمنة - عمان - 2002 / ص 119.
3- نفسه: ص 118
4- نفسه: ص 126.
5- نفسه: ص 27 و35، ويؤثر عن موريس بلانشو: المفكر والناقد والروائي الفرنسي انه يضع «الآخر» في قلب المماثل لذاته (فصول نفسها ص 27).
6- نفسه ص 104.
7- مجلة (افكار) ع 183 - 2004 / ص 141 عن مقال: (ميراث الاخير: الحديقة الخلفية( صدوق نور الدين - ص .141
8- عن كتاب «الرواية القصيرة) محمد عبيد الله (ص 161 - 162).
9- (آدم ذات ظهيرة) مجموعة من الكتاب - ترجمها الياس فركوح ومؤنس الرزاز دار ازمنة: عمان - 1999 ص 57 - 62
10- اسرار ساعة الرمل: (قصص) الياس فركوح - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت - 1991.
11- د. احمد خريس: (الحلم نصا ادبيا: مقاربة لمختارات من قصص الياس فركوح - مجلة (افكار) - مصدر سابق - ص 116 - 117.
12- ينظر النص في مجموعة (حقول الظلال) - الياس فركوح - دار ازمنة - عمان - 2002 / ونشير الى المقتبسات في موضعها من المقال هذا.
13- عن مقال (ابن عربي: الصورة والآخر) بقلم فريد الزاهي - مجلة (نزوى) - ع 32 - اكتوبر - 2002 / ص 42.
14- نفسه: ص 41
15- نفسه: ص 44.
* كاتب عراقي مقيم في عمان

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh