Document Title
19/11/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : حقول الظلال  بتاريخ 2004/01/01
  النوم إذ يطـول - وقفة مع : ظِلّـكَ الدليل والمرآةُ أن بقلم جميلة عمايرة - مجلة أفكار الأردنية العدد 183، 2004
 
 

قارىء إلياس فركوح يجد نفسه مدفوعاً إلى حشد عاداته في القراءة والكتابة معاً ، ليصبح أشد ما يكون تيقظاً من أجل التقاط التحولات الدقيقة والفروق الرهيفة بين حالةٍ وأخرى من حالات الكتابة ، وطُرُق التقنية في النص .

لماذا تفَجِّـرُ بعضُ النصوص قلقاً وأسئلةً من هذا النوع دون غيرها من النصوص ؟

قد نجدُ إجابةً عن هذا السؤال في مناقشة مفهوم الكتابة نفسه . فالقراءة الأولى تقودنا إلى معرفة أن النص لم يعد انعكاساً مباشراً للواقع المعيش ، يقدم صورةً حرفيّة لحقبةٍ ما ، على نحو ما تسجّل عدسة الكاميرا منظراً بعينه . كما أن النص ليس بناءً لغوياً فحسب ، عن بنى فكرية / دينية في الواقع . صحيح أنه كذلك في بعض جوانبه ، لكنه يتضمن ، بالاضافة إلى ذلك ، جوانب تدخل الصنعة الفنيّة في بنائها وتشكيلها بصورتها النهائية .

منذ البدء المتمثل في عنوان المجموعة ينصبُ لنا الكاتب فخاخه : حقول الظلال . حقول مـاذا ؟ الظلال . حقول مليئة بالألغام ، إذا دخلتَ حقلاً مليئاً بالألغام فسرعان ما ينفجر في وجهكَ ، وهكذا . إذا دخلتَ حقلاً مليئاً بالأزهار والرياحين ، فستقطف ما يطيب لكَ من أزهـار وورود ، وتستنشق أطيب الروائح . لكن حقل إلياس فركوح مليء بكل شيء .

قد تقلب الصفحات ، وتحتجّ بأن لا شيء يمكن القبض عليه وامتلاكه ، فتترك النصوص معلّقة بأسئلتها . وقد تغوص بها وتنفتح أمامكَ سيولٌ من الأسئلة القلقة المقلقة التي لا تنتهي ؛ إذ يصبح القارىء متورطاً مع النص وكاتبه . ( أعتقد أنَّ الكاتب قد أجاد وتجاوز نفسه هو قبل كل شيء وبعد كل شيء ) . ثم تمتد الفخاخ إلى الكلمة الأخيرة : الظلال ؛ والظل هو صنو الآخر ، وخياله ، وأحياناً قد يتجرد ليصبح متمرداً على صاحبه / نفسه بصورة فانتازية ـ كما سنرى لاحقاً عند تحليل " ظلّكَ الدليل والمرآة أنا " ـ وهو ما استوقفني طويلاً ، حيث يكون الظل مناوئاً ومتمرداً على صاحبه ، على صنوه ، على نفسه .

تقع نصوص " ظِلّكَ الدليل ... " في إحدى عشرة قطعة نَصيّة . تُفتتَح بـ " دفءٌ أوّل " وتنغلق بـ " الملح الأخير " ، وما بينهما عالمٌ يموج بالكثير .

سوف أقترح مدخلاً يتعامل مع النص بوصفه نصّاً مفتوحاً بدلالات متعددة ، دائبة التحوّل ، حافلة بالاحتمالات غير المتوقعة ، حتى للكاتب نفسه .

إنَّ القراءة التي أقدّمها هنا تختلف عن قراءات أخرى لأنني أمام نص يحتمل أكثر من قراءة ، كما يحتمل ، بالضرورة ، عدداً من الإضاءات والتعقيبات ؛ إذ أنه لا يُستنفَد بقراءة واحدة . فأنت تجد نفسك مشاركاً في العملية الإبداعية ذاتها حين تتوقف متسائلاً عن كيفيّة الربط بين الشفرات الدلالية والجمالية في نص كهذا . فأنتَ متلبس بالمشاركة في هذا العمل ، وما دمت مشاركاً في إنتاج النص فلا بد أن تتساءل إذا كان منظور الكتابة قد تغيّر لدى الكاتب نفسه على نحو اقتضى تغيّر موقع تلقي القارىء ، من متلقٍ سلبي إلى مشارك ايجابي .

في " دفء أوّل " نلاحظ ، ومنذ الكلمة الأولى ، أنَّ هنالك شخصين ، وسرعان ما نتعرّف إليهما . رجلٌ وامرأة ، في اللحظة التي يبدآن هما بالتعرف إلى نفسيهما أيضاً .

هكذا يبدأ القارىء ـ المتلقي ، مع الكاتب / الراوي هنا في التقاط حالة التعرّف على الرجل والمرأة وهما يجسّان ويكتشفان نفسيهما : " كان الواحد منهما يرى الآخر يقترب مادّاً ذراعيه باتجاهه ، والخطوة لا يعتريها حذَرٌ أو تردد . ولحظة أن تماسّا بالأصابع ـ تلك هي المرة الأولى ـ صمتَ الكونُ فجأةً ، وأنصتت مخلوقاته لما سوف يحدث . " ص 73 .

وما سوف يحدث لن يكون بأية حال متوقعاً ؛ إذ أننا سنفقد الرجلَ والمرأة بصورة دراماتيكية حادة ، في مسافة تقع ما بين النصوص الإحدى عشرة .

يبـدو البُعد الديني التكويني ( سفر التكوين ) هنا في " دفء أوّل " جليّاً ؛ إذ سرعان ما يتبادر إلى الذهن بأن الرجل هو آدم ، والمرأة حواء في عزلتهما الأولى بأرض الله الواسعة . لكن هذا يقودهما إلى مناطق أخرى لا يدركانها في البداية . يقودهما إلى اكتشاف بعضهما والتوغّل بالآخر ، وكذلك بالكون وما يحيط بهما باتجاه المعرفة . هذه المعرفة التي ستؤدي بهما إلى الخوف الذي يقودهما ، بدوره ، إلى الغَرَق أو الاختفاء ، أو الموت بتجلياته المختلفة .

" ثمة رعشة تحرّك قلبي " ، تقول المرأة .

ـ وأنا أيضاً .

ـ أحارُ في وصفه .

ـ إنه أشبه بالخوف .

ـ تقريباً . غير أني أجهل السبب .

ـ نخاف من بعضنا ؟ نحن نحب بعضنا .

ويسارعُ إلى احتضانها . " ص 76ـ 77 .

هنا ، المعرفة تقود إلى الخوف كمفهوم أرضي متجسد ، كالحب تماماً الذي ولد بينهما ، وإلى الرؤيـا :

هذه الرؤيا / الحلم التي تصاحب المرأة ، وكذلك الرجل ، هي منطقة الكتابة التي يسلكها الكاتب في هذه النصوص . منطقة لامرئيّة وبعيدة ، تشبه الخلق وبدء التكوين : " ظَلَّت في اتكاء جذعها على كتفه تهتز ، دون قدرة منها على التوقف ، ثم اتسعت عيناها . لم تصدّق ما نقلته لها أصابعها : الأصابع التي تتلمس الرجل الثابت كالحجر : الحجر الرابض لصقها ، يبردُ ويتجمدُ رويداً ، هكذا ، مثل كائن لا يشبه أحداً سواه ! " ص  78 .

لكننا ، وبالرغم من ذلك ، نسترشد بالوصف الكاشف كي نرصد طريقة تقديم الكاتب للحدث ، وهذا ما نجده في نص " جداران من رغوة " ؛ إذ تدور هذه الأحداث كما فـي النـص الأول " دفء أول " بين الرجل والمرأة ـ عبر الحكاية ـ مستخدماً العبارة التالية : " نحن نعيش في الفاصل بين زمنين . الأول مضى لا نعرف عنه سوى الحكاية ، والثاني لم يأت بعد "  ص 79 .

النصُّ هنا يحاكي الواقع ، غير أن المؤلف يعتمد كسر الإيهام بهذا الواقع عبر الحكاية . هذا من ناحية . ومن ناحية ثانية يرمي الكاتب إلى تركيز الاهتمام على النص المكتوب وليس على التسلسل المنطقي للحدث الواقعي : " أنتَ لستَ وهماً ، وأنا لستُ كذبة . " ص 80 . ثــم   : " ترددتُ حيال خلو المكان أو خِفَّتِه المحمولة على ما يشبه غيمة تنفرطُ بهدوء ، وتفكرتُ ، إذ بدوتُ وحدي : لعلّه السهو . لعلّ الأمر برمته لا يعدو أن يكون مجرد سهوة يا .. " ص 81.

لعلّه " السهو " إذن ما يحرّك الحدث في هذه النصوص الإحدى عشرة تحريكاً لا يعتمد التتابع الزمني ، بوصفه حدثاً منقضياً يُستعاد في زمن الكتابة ، وإنما هو حدثٌ مستمر يبدأ في الماضي : " حينما مررتُ عليه بخطاي البطيئة ظَلَّ راقداً : كأنما ظِلٌ بلا وزن أنا . " مــن " النوم إذ يطول " ص 115 . وكذلك : " يظل الخيال ظلالاً لنا . " من " الخزامى " ص 78 .

و " لم يعد ينصت ، إذ صار يعيش خفيفاً ومحمولاً على غيمة يجدها تنفكُ وتهوي به كلّما ارتفعَت في السماء . " من " الحكاية " ص 92 .

وعلى نحوٍ مماثل ، فإنَّ ذلك الحدث الذي لم يتم وينتهي باختفاء المرأة والرجل لا يدخل في غياب نهائي ، بل يُستحضَر ويتخلق من جديد في الخيال ، وقد يشتمل ، كما أسلفتُ في المقدمة ، على تضمينات دينية ( اختفاؤهما بالطوفان ) ، وقد يكتسب أبعاداً خيالية فانتازية ، لكنه في المحاولات كلها يتجسد عن طريق الكتابة ويكتسب ديمومته من ديمومتها . ومن هنا يلجأ الكاتب إلى نفي انقضاء الزمن عن طريق استمرار الماضي في الحاضر ، ومزج هذا الحاضر بما ليس له انتهاء ، كما يظهر جلياً في " الحكاية " و " النوم إذ يطول " ، ثم يفضي هذا الزمن إلى زمن أزلي يتمثل في الاستمرارية ، كما في " الملح الأخير " .

يخضع الزمن للتحوّل في هذه النصوص عن طريق الحلم أو الخيال ، ويتم هذا التحوّل في نص " البحر يطرق الباب " و " الملح الأخير " لكي يحقق قفزةً زمنيةً تؤدي إلى انتقال السرد من مرحلة محددة في حياة الراوي إلى مرحلة تالية : " ثم كان صَحـوٌ وسكون . حينها فتحَ عينيه ورأى : الشمسُ تغزو فسحةَ المدخل ، إذ ان الباب مفتوحٌ تماماً . " من " البحر يطرق الباب " ص 112 .

ويظهر البحر في " البحر يطرق الباب " ليصبح معادلاً آخر للوجود الإنساني برمته : " ليس هذا زمني ، فكر للتو . وكانت كفه في مكانها لم يبسطها على البطن الهضيم ، غير أنَّ مطراً كاسحاً اصطخبَ مندلقاً من سحابة أفرَغَت ماءها فانمحت الفتاةُ صاحبة الورد الذابل . " ص 112 ـ إلى أن يصبح البحر واقفاً على الباب الذي لم يُغلَق : " ثم كان نومٌ ، فإذ بقليلٍ من موج أزرق يندّس محاولاً أن يتخطى العتبة . " ص 113 .

يتعانق الموت والحياة معاً في هذه النصوص التي هي بمثابة عالم كامل ووجود وخلود .

وهكذا ترتحل النصوص بين الحلم والعقل والخيال ، في محاولة الوصل بين الأشياء والأحاسيس والوقائع والأشخاص ، عبر لغة تُستَنفَر حتى حدودها القصوى .

 

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh