Document Title
21/09/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
 كتب عن : حقول الظلال  بتاريخ 2005/07/01
  قراءة في مجموعة " حقول الظلال " للروائي الأردني " إلياس فركوح " بقلم زيد الشهيد / كاتب عراقي
 

في مسالك كتابة النص الحديث ، وعلى ضوء نظرية النص التي جاء بها رولان بارت والتي يشير بعض ما فيها إلى أن النص صار بوتقة لمختلف الأجناس التدوينية من قصة وشعر وخاطرة شرع الكثير من الكتاب يأخذون بها ويتجهون إلى خلق النص الذي يضم خلاصات هذه الأجناس ؛ فصرنا نرى إلى نصوص يضمخها الشعر ، فتعلو في فضائه أشذاء التحليق ويروح الناص – اعتماداً على ثراء لغة استجمعتها الذائقة القرائية له عبر سنوات القراءة – يدون نصّه المحلِّق وهو يكتب قصةً لها حدثها وشخوصها ؛ متجسدةً على زمكانية يجهد في جعلها تتوافق وحركية الشخوص وتراتبية الحدث...

كما رأينا إلى مَن أوغل في استخدام الشعرية في نصه فراح تائها ، وانكفأ خاسراً ، جاعلاً من نصه نثراً خسر التجنيس وتاه في بريّة فقدِ الهوية ، مثلما رأينا إلى مَن كان حذراً في مساره ؛ يراجع كل خطوةٍ تجاوزها بخطوات خشية سلوك درب المتاهاة . فالشعرية في استخداماتها الصحيحة والموضوعية تخلق جمالية صارخة لقوام النص تبعده عن الشعر المتمثل بقوافيه وأوزانه ، تماماً كما تنأى به عن النثرية الفجة . شعرية تمنحه القبول الكبير من جانب المتلقي ، وتهبه العمر الأكبر للتقبل في حقل القراءة . ولقد جاءت مجموعة الكاتب إلياس فركوح "حقول الظلال" القصصية متوخية جانب الكتابة الشعرية ، متحركة على أرض تتطلب الحذر وتفضي إلى قبول المتلقي ورضاه في هكذا كتابة نثرية . والمجموعة التي قدمت نفسها ب122 صفحة توزعت : سيرة ذاتية/ وإهداء/ وإشارتان . ثم دخولاً إلى حومة النصوص الست حيث المرأة تصبح همّا متداولاً في فضاءاتها ؛ وهناك الرجل الذي يتأملها أو ينتظرها أو يدخل في حوارات أغلبها يأتي من باب التداعي في خضم موضوعات هي شاغلة الإنسان في يومه الآني أو في زمنه المنصرم.

يفضي نص "مسرنمون عند الحافة" الذي يأخذ استهلال المجموعة إلى موضوعة الحرب ليس بساعاتها الآنية المحتدمة بل بتأثيراتها التي خلفتها بعد أعوام من انتهائها ، نافثاً رائحتها في فضاء شخصين : رجل وامرأة التقيا بعد فراق كان قبله حبّاً ، وبعد شوق إلى لقاء . ثمة اللغة التي تنشر أشرعتها على ضفاف موضوعة القص. اللغة تتولى دور الهيمنة على الحدث الذي قد يبدو محدوداً بفكرة اللقاء والتحرك في جولة ؛ والاجتماع في بيت (بيتها وهو الضيف) بينما الزوج/ الرجل/ صورة معلقة على جدار تحكي قصة قتل أو استشهاد ، أو ضياع ؛ لانَّ الحب الذي كان في زمن مضى عاد لينتعش باللقاء . اللغة في النص تطلق لوجودها الانتشار على الصفحات ، متوشحةً بنكهة الرومانسية ، ومنطلقة بأسلوب التداعي تارةً ، والحوار المكمل لفحوى الفكرة تارات.

يبدأ النص بصوت الانا/ صوت المحب الذي التقى ؛ وينتهي بالصوت ذاته تتخلله انتقالات ومقاطع شكلت تقطيعات من استذكارية كاستثارة لابتزاز همود الذاكرة ؛ أو كضغط متواصل لإعادة استاتيكية الأيام التي غدت من عداد التاريخ المتخثر أو الزمن المجمد .

ويشير نص "الكلب الثاني" إلى عودة رجل ساقه الحظ إلى معتقل قضى فيه زمنا ثم عاد ليدلف من الباب الرئيسي لبيته صوب فحوى البيت وتأثيثاته فتصطدم نظراته وهو يلج بصورة كلب احتوته أريكة أعادت إليه مشهد الكلب الحقيقي الذي كان ينهشه في دهاليز السجن ، والكلب هنا يأخذ مرموز السجان الذي اعتاد على نهش لحم الضحية السجين لمجرد رؤيته .. وفي النص عودة إلى الذكرى التي تثيرها الموجودات داخل البيت لا بذاكرته الرجل العائد بل بذاكرة السرد الثالث الذي يأخذ دور الهيمنة على ذاكرة النص بأسلوب التداعي والعودة بالأحداث إلى الوراء تذكرا. فمثلا رجل الصورة الأصل الذي له تجربة مع الحياة وقد كان طبيبا يروي لولده المنصت مع المنصتين حكاية المريض الذي جاء يطلب الضحية التخلص من الصلع من الطبيب الذي كان هو أصلع منه ولم يجد لصلعه شفاء.. والإهداء الذي حمل اسم مؤنس الرزاز كتوجيه لشخصه يحيلنا إلى اعتقاد أن صاحب الصلعة هو منيف الرزاز ، الأب الذي كما يعتقد كان طبيباً وأن التجربة الفاشلة في حمله لفكرة الوحدة العربية من خلال فكر البعث أوجدت معادلة أن ما قد يسير عليه الإبن هي ذات الفشل ؛ لكن الإبن يدرك ذلك بعد فوات الأوان ، بعد أن دخل المعتقل وخرج خائباً ، ليعود إلى بيته ليفاجأ بالصمت المهيمن والأثاث الجاثم ، وصورة الكلب مثيرة حافز التداعي أو التذكر.

وعلى غيمة الرومانس وغمر اللغة يطفو نص "فاكهة الرجل الأخيرة" متخذاً انثيالاً شعريا وإثارةً في طرح الموضوع .. تغدو الحالة الشعرية في العملية السردية كما لو كانت اختبار لصدق الموضوع ، أو اتجاه يتوازى بتحليقه مع الطرح الأدبي . فالرجل الجالس عند النافذة وقد تماهت في المقعد الثاني الذي يقابله فتاة تصغره كثيرا بفتاة كانت له يوماً ما حبيبة . تتقارب الصفات ، ويتشابه البوح . والقاسم المشترك بينهما هو العطر الذي يذكره بالفتاتين . والنص بقدر ما طرح موضوعة تخوض في الرومانس فإنه اعتمد اللغة أيضا تفجيراً للنوازع الدفينة التي كانت استحالت ذكرى عن الفتاة التي غدت ذكرى والتي أثارتها الفتاة التي خرجت قبل قليل لتتركه وحيداً يعاني شعور الانعزال ؛ ويقف أمام قدوم الظلمة وهي تتحرك متسيدةً المكان بزحوف مخيف ، لكأنها هنا مرموز تقهقر العمر وانكفائه ، خروجاً من حلبة العاطفة التي لها زمنها أيضا وعمرها . وتأثيات المكان بحيزه المحدود المتمثل أمامه يعطي دلالة الانتهاء وصولاً لمدلول أن الفقد آتِ ، وأن الأفول حتمي . وتتركز بؤرة النص في نهايته وهي تلغي الشعر وتبرز الحالة . حالة الإنسان الذي سيفتح عينيه يوماً بعد اغماضة طويلة لحلم اسمه الحياة ليجد أنه ضاع في غياهب السهو .

وفي "خارطة السهو" تتوازى صورتان لمشهدين لا يلتقيان عند نقطة هدف مرصود . في هذا النص يتجلى تنافر الخارج بحيادية الداخل ؛ إذ البهرجة تعلن تسيدها على أديم الفضاء حيث الذي أمام العين كرنفال لحركة بشرية تطعمها فسيفساء الألوان: أنوار نافرة ، وفتنة متشرنقة يقابلها روح يعوم في تطلعات تحقق المراد ساعة افتقاد المرغوب والمؤمل النجازة .
إن عالم المدينة أبجدية لكشف حالة الضياع التي تلف الكثيرين ممَّن وجدوا أمانيهم تائهة في مهب السهو ؛ واكتشفوا وجودهم بعيداً عن التوافق ، نأياً عن القبول . فالرجل محمَّل بإحباطات لا تجد من يواريها الثرى فليستبدلها بالنهارات الألقة . الرجل عليه مسؤوليات يجد من العسير تحققها فيذهب راحلاً إلى اقيانوسات الأحلام الخاوية . أحلام يقظة الهباء . فلا "شقة" ستتشكل من أبراج الحلم ليسكنها مع القرين ، الذي هو الآخر زاخر بالأمنيات ؛ ولا بطاقة اليانصيب التي صنع لها رقماً يتوافق ونهوضه البارق يحمل الجائزة الفائقة ، محققة الأمل المهول . ليس غير حلم اليقظة المحلق على غيمة الخديعة التي تقوده إلى واقع يجد بانجلاء لحظاته أنه وحيد ؛ وأن من كانوا حوله قد انفضوا عنه ، وليس غير الوحدة رديفةً لأحلامه المبتغاة حيث سكنت الساحة وخلت من الأجساد المتأنقة على غير طائل .

ويدخلنا الناص من الصفحة (71) حتى انتهاء المجموعة بـ (124) في ربقة ذلك التعالق الروحي الجسدي للكينونة البشرية الأولى ؛ يوم استدار "آدم" فصدمت عينيه كتلة بشرية أسماها "حواء" . تماست أصابعهما لحظة امتدت يداهما ؛ فانجلى الكون عن حقيقة دنيوية حفلت بالفنتازيا ، واتقدت بحمى توالد الأجيال.

وعبر أحد عشر سرداً تناصياً وغيمة شاعرية شعرية نجد أنفسنا ننتقل بعربة الرحيل والفرجة المتناسلة على خيال ينفتح فيتسع ، فيكبر ، فيلق رغاوي من لذاذة لغوية ورحيل مفرداتي عذب ؛ يتقافز بانشطار يصنع توق التتبع فلا نشعر بالضجر من تلاحق المشاهد ؛ ولا نستعيض بالامتعاض عن الجفاء . نظل مشدودين لعالم سرمدي قطباه : الخادع والمخدوع ؛ الغاوي والمغوي ؛ الهالك والمتهالك وهما يرفلان بكل خطاياهما ووثباتهما . بارتقاءاتهما وانكفاءاتهما . ينهلان فلا يعرفان للنهاية خشية ؛ ولا يؤولان غضباً سمعاه أول الملتقى فيعلنان التهيب والتهجس والترددات . يعيشان اللحظة بالتصاق لا يروم الانفصال ؛ ويؤدّيها التماهي فلا يرغبان في التفكك . يفتقد أحدهما الآخر ساعة الانفصال الخيالي فيندفعان في التداخل . ويعلنان أمام ملأ الخليقة أبجدية التمازج . الفراغ يخافانه ؛ ومن زحوف الصقيع ودنو التجلّد يخشيان .. يتوجسان خديعة الزمن وغدر آثار الغيب .
 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh