Document Title
21/09/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
2008/03/30،
لماذا لا نقلب الموائد؟ - جريدة الرأي
 
لماذا لا نقلب الموائد؟



إلياس فركوح* -  أبدأُ بتصريحٍ مباشر يقول: إنَّ ما ورثناهُ من ضروب الابداع الأدبي لا يُكّرسه، كنصوصٍ لا يطالها السؤال، سوى "عَبَدةُ الأصنام الجُدد"؛ أولئك الذين يفتقدون قدرة النقد وحيوية الفحص، فيستحيلُ القديمُ إلى أحد المُقَدّسات بحيث لا يجوز المساس به، وتتحوّل النصوصُ بالتالي إلى أيقونات يُبْتَهَل لها وتُضاء من أجلها الشموع!
فهل نُنعِشُ الحال الثقافي ونرتقي به بعقليّةٍ تقوم بتبجيل كل شيء جاء من الماضي بتكريسه، وبداعي الرأفة به؛ إذ ليس من "الأدب" مراجعته وإعادة النظر فيه؟
إنَّ حالة الحوار (المراجعة) بأسئلتها، وبأخذها على أنها النبراس المعتَمَد من قِبلنا، ستعيننا على قلب الموروث من مجرد أحمال ثقيلة تؤدي إلى كُساح ثقافي ليتشكل في ذاته (الحوار) على هيئة إنارة وكَشْف للمعطى الثقافي والمحيط الحياتي في آن.
أسأل: هل هنالك من مُنْجَز بَشَري يتحلّى بقداسةٍ ما تقيه هجومات العقل الناقد المتفحّص؟ وهل هنالك من سؤالٍ ناقد يعمل على فتح الملفات، كل الملفات، ودراستها، لم يتعرض حين ظهوره للرفض والتحَفُّظ؟.
قد تكون هذه من سِمات البَشَر. لا بل هي سِمَةٌ رئيسةٌ في البشر: أن نُقدّسَ ما تم إنجازه. ولكن من سماتهم أيضاً نقد الإنجاز للارتقاء به وبأنفسهم كجوهرٍ يتأبّى الركون إلى نقطة محددة والقعود عندها. هي واحدة من تجليات الحوار الجاري بين النقائض. هي القدرة على كسر المرايا المواجهة لوجوهنا كيما نرى ونعاين وجوهنا من جديد، أي: كي نجدد الحياةَ فينا، لأنَّ الحياة خارجنا تتوالى في تجددها وإنْ لم يرغب بعضنا أن تكون كذلك. والثقافة ليست، بأي حال من الأحوال، مثلها في ذلك مثل معطيات الحياة كافة، بمنأى عن هجوم العقل الإبداعي المجدد. ليس هذا فقط: إنها نتاجٌ حتمي مستمر ودائم في التاريخ لهذا الهجوم: هي شهادته، وشاهدته، وشهيدته في الغالب الأعَمّ!
ولأنَّ الثقافة هكذا، فإنها لا تعترف بقداسة أيما شيء سوى جوهرها.
ولأنَّ جوهرها غير مفارق لجوهر الحياة ذاتها، فإنها تحتمل النقد والمراجعة، ولا يجوز لمن ينتمي إليها أن يخشى إعمال العقل النقدي فيها.
ولأنَّ المثقف حاملٌ لها ومعبّرٌ عنها، فإنه بقدر ما يتحلّى بقدسية جوهرها المخلوق من نسغ جوهر الحياة (طبيعتها المبدعة) فلسوف يتحمل، أيضاً، تبعة جوهرها الخالق للنقيض الأسمى، والذاهب نحو التكملة فيها (طبيعتها الناقدة الشكاكة).
إذَن، وبناءً على كل هذا، كيف يجوز لأيٍّ منا أن يقف معترضاً أو متحفظاً على ممارسة جوهر الثقافة وتطبيقه على وجهٍ من وجوهها، شِعراً كان أم روايةً أم قصة، بحجّة عدم لياقة التعرض للرواد في هذه الأجناس؟ فإذا كان الاحترام هو الحافز لذلك، فالأجدى لهذا الاحترام أن ينهض فوق أرضيّة من القناعات المثبتة غير المهزوزة، غير المشكوك بها، لكي يكون حائزاً على شرط ديمومته.
وإذا كانت الريادة هي الدافع للسكوت وعدم الإفصاح، فإنها تعني لِمَن يفهم معنى الريادة، توفر الهِنات والسقطات ونقص النضج في جديدها، وإلاّ سنكون نَفَينا عنها وعن أصحاب نصوصها ريادتهم. لا، بل قُمنا بتزوير هويتها بإلحاقها بالسَلَف من نوعها، وبطردها من خصوصيّة إبداعها.
هكذا، وضمن حالة التجاذب القائمة وفق هذا المفهوم بين الناقد والمنقود، أو بين المتعارَف عليه والجرىء في ولوجه وحرثه لصلابة المُعطى وعدم التسليم باكتماله وتقديسه، سيحدث الانقسام إلى معسكرين، أو فئتين، أو حساسيتين وذائقتين متعارضتين، ومن دون ذلك تنقلب الحياةُ على جوهرها المتمثّل بتجدد النقائض. أي ستسود سكونيةٌ ظاهرها الانسجام بينما باطنها يكنز الانفجار المؤَجَل. ومَن مِن المبدعين المثقفين يرضى قانعاً بِسَلَفه عند تقاطُعٍ ما من أجل المكوث عند رحلة الأخير التي انتهت، غافلاً عن رحلته هو التي عليه الاستمرار بها ومواصلتها بعد هذا التقاطُع؟
أهو الاكتفاء بالتواضعات السائدة ومعاودة السير على دروبٍ شَقّها السَلَف من قبلنا؟ أهو النزول بقدمين حيتين إلى لَحْدٍ جديد زخرفته لنا وكّرسته التواضعات، ما كان ليقبل صاحبه به إنْ هو اختارَ ميعاد موته؟
ثمة قَوْل معبّر للفنان ضياء العزاوي يسوق نفسه معززاً المعنى: "إنَّ القبول بموقف المجتمع تجاه الفنان إنما هو موقفٌ جبان ومنافق، لأنه لن يمنح الفنان غير شهادة موته دونما ضرورة!"
فلنقلب، إذَن، الموائدَ حين يريدون إرغامنا على أكل أطعمةٍ فَسُدَت لكنهم يغلّفونها بأشرطة ملّونة تَدّعي كمالاً زائفاً.

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh