Document Title
19/11/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
2006/03/29،
اليومُ نِصفـان : نصفٌ لي ، ونصفٌ للغياب
 
 

النصف الأول :

لا زلتُ أنتسبُ إلى الجيل الذي تعلّمَ حكمةً قديمةً تعود للوراء ، عميقاً داخل عجينة الطفولة ، تحثّهُ على " نامْ بَكّير فيقْ بَكّير شوف الصحة كيف بتصير " ! ليس الأمر بيدي . كما لستُ مطيعاً إلى درجة الإذعان ( مع اعترافي بوجاهة هذه الحكمة بعمومها ) ؛ غير أنَّ وراثةً جينيـة ، ربما ، أدخلتني في عِداد الذين يستيقظون فجراً على نداء " الصلاةُ خَيرٌ من النوم " فأقوم ، من فوري ، لأواصلَ مسلسل فناجين القهوة ، وحَرق السجائر ، ووصْل ما انقطعَ قبل ساعات : الكتاب .. أو الكتابة . إذَن : الصحةُ ليست هدفاً وغايةً ؛ وإلاّ لماذا أُصبتُ بجلطتين كانت الثانية قبل خمسة شهور ؟ ناهيك عن أعراض مَرَضيّة أُخرى ( كنتُ مهذباً فوضعتُ الضَمّةَ فوق همزة الألف ، بينما لسان حالي يقصد الفتحة ) ؟

ثمة مُتعة غامضة في الاستيقاظ قبل طلوع " الشمس الشموسة " . أو عَلّها خواطرُ الزهو في الإطلال على الدنيا في سكونها وانبثاقها ، كالوردة ، من حافة الشَفَق المخايل ؛ فيكون الواحدُ منّا قد تلبسته حالةُ الخالق وهو يشهدُ ميلاداً يفتقُ سُرَّةَ الأرض بعد الغَمْر عند التكوين : بطيئاً ورويداً ، مثل الطفل حين يتنفس في نومه ، وليس هنالك من أمر يمكن التثبُتَ منه وتأكيده سوى أنَّ هذه الحالة المتخلقة من تلقائها تتخلق . ليس أكثروليس أقلّ . حالةٌ تتخلقُ من منطقة غموضٍ لتمضي إلى منطقة غموض . وهذا هو جوهر جمالها وسر سحرها ، في ظَني .

وفي ظَني ، أيضاً ، أنَّ افتتاني بهذه الحالة كما هي في طبيعتها الأرضية ، وملازمتي لمعناها العميق عند كتابتي لنصوصي والتزامي الطوعي بذلك ؛ إنما يكشفُ لي احتمالَ إعراضي الباطني عمّا هو بَيّنٌ ، وواضحٌ ، ومتماسك . يكشفُ لي عن اعتراضي وتشككي بكل ما هو ذو قِوامٍ يشمخُ على شاشة العالم ويفقأ عيني ؛ إذ أُعدُّ ذلك تواقحاً وفَجاجةً طفرا من كينونةٍ هي مشبوهةٌ في نظري . كينونة مُريبة تفتقر لجملة شرعيات تمنحها لها صناديقُ الروح ـ بصرف النظر عن نتائج فرز صناديق الاقتراع ؛ بما فيها تلك المراقبَة من قِبَل لجانٍ دولية !

ويحضرني هنا ، هذه اللحظة ولدى تأملي بما كتبت ، إسما روايتيّ : " قامات الزَبَد " و " أعمدة الغبار " ! فأسأل : ماذا نُسّمي رواية العالم الجديد ، اليوم ، بعد أن صعدت الشمس الشموسة وأذابت شَمعَ الهياكل الكاسية لها ، لنعاينها جوفاء من داخلها ؟ أو محشوّة بالقَش ؟ أو متخمة بالأكاذيب الهَشّة والملونة ، كتلك التي تصطدم بها عيناي في اليافطة الإعلانية الأنيقة المنصوبة أمام باب بيتي ، لَمّا أخرجُ للعمل ؟

فإذا كانت فيروز قد غَنّت ل " الشمس الشموسة " لتتبعها إلى النهر لتملأ منه الماء ثم " تحلب لَبَنَ الجاموسة " ؛ فإنَّ حَلْب لبَنَ المعاني تعيقه عشرات المفارز المسلحة بالارشادات الخادعة ، وإشارات الطُرُق المؤدية إلى التيه في صجراءٍ بلا ماء !

جِرارُنا فارغةٌ حتى من الماء ! وليس ثمة المسيح يطأ أعراساً في " قانا الجليل " ، بعد أن دمرها أحفادُ مَن صلبوه ، منغمسين في دمه وغامسين تاريخهم فيه . ولم يكذبوا : عليهم وعلى أولادهم !

 

الصبـاح :

ليس لعملي ، الذي أخرجُ إليه صباحاً ، مفهومه التقليدي أو الصارم . عَمَلي ليس وظيفةً تجرّني رغماً عني لأتقاضى عليها مالاً أنفقه على ضرورات الحياة ؛ بقدر ما هو ممارسة يومية للذات لا يستقيم معناها بغير إحساسها بالإنجاز . فأن تنجز أمراً يعني أنكَ أنجزتَ قدراً من ذاتكَ ؛ يعني أنكَ حققتَ قسطاً من كينونتكَ ؛ يعني أنكَ اكتسبتَ حقَكَ بيدكَ في الوجود ؛ يعني أنكَ اكتسيتَ بالمعنى الأعمق لأنكَ ، ببساطة ليست بسيطة ، قُمتَ بِحَلْبِ لَبَنَ أن تكونَ وأن تحظى بجدارة ذلك كلّه .

يـاه !!

هذا كلامٌ كبير يقاربُ الوَعْظَ المكرور الممل وينتهي ، بالضرورة ، إلى السقوط في ركاكةٍ تبشيرية ساذجة . أو هو فذلكةٌ أخلاقيةٌ دَعيّةٌ ذات طنين مزعج يشبه ذاك الذي تُحدثه ذبابةٌ زرقاء كبيرة تحومُ حول رؤوسنا بإلحاح ! ولأنَّ الأمر كذلك ، كما يبدو عبر هذه اللغة ؛ فإني أزيد على هذا مستكملاً معزوفتي : عليكَ أن تنجزَ عَمَلاً تحبّه ! وأنا ، بصراحة ، أحبُ عملي. فأن يعملَ كاتبٌ في حقل النشر إنما يعني ، في جوهره ، أنه يشتغل داخل مناخات الكتابة وآفاق التفكير الهادف إلى لا غايةٍ تسليعية مباشرة : أنه لم يُحدِْث قَطْعاً في نسيجه الشخصي ، لا من الخارج ولا من الداخل : أنه لم ينفصم متحولاً إلى شخصيتين متباينتين ؛ خاصةً إذا كان هذا الكاتب يستمتع بتفاصيل ( صناعة ) الكتاب ويجيد ـ بنسبة ما ـ تصريف مراحلها : قراءة النص ، اختيار الحرف وحجمه ، إخراج الصفحات الداخلية ، توليد التصميم الأولي للغلاف ثم تنفيذه على الكمبيوتر ، إلخ . أما عن تسويق ذلك كله ، بيعاً وشراءً ؛ فحَدّثْ ولا حَرَج : ليست هذه لعبتي ـ ومن هنا تبدأ متاعب العمل ومآزقه !

لا بأس . على الحياة أن تمضي ، وعلينا أن نعبرها بدورنا .. بأقلّ الخسائر .

أُوصِلُ إبني ، حديث التخرج ، إلى مقر عمله قبل مروري اليومي بالبريد لتفقد صندوقي هنـاك. في السيارة لا يتحرج بإعلان تأففه من دخان السيجارة العابق ؛ فالفصل شتاء ، والبرد الصباحي قارس ، والنوافذ مغلقة ـ لكنَّ السبب ليس هذا وحسب : إنهُ قَلِقٌ عليَّ وخائف ! فإثر الجلطة الثانية باتَ الخطرُ ماثلاً في الثالثة . كما ليس لديَّ أي تأمينات صحيّة في زمن العلاج الأكثر من باهظ ، والرقود المحترم الذي لا يتوفَر إلاّ في المستشفيات ذات الخمس نجوم !

أبتسمُ بنصف تهكُم بنصف مرارة ؛ وأحوّل نظره تجاه فتاة يافعة بمثل عمره ، تذكرني بأنني تجاوزتُ منتصف العقد الخامس ، وأقول :

" أُنظُرْ ! أليست جميلة يا وَلَد ؟ أنظُرْ إلى الصدر ! أنظُرْ إلى القد الميّاس ! أنظُرْ إلى القفا ! يا لطيف ! "

فلا يكون منه إلاّ أن يتحرج ، هذه المرّة ، محتجاً بلطف وتهذيب حقيقي :

" بـابـا !! "

فأفكر في كَم سيصمد إبني البِكْر هذا محتفظاً بحشمةٍ باتت من مخلّفات عصر الديناصورات ، وهل سيقوى على سفالات الأيام القادمة ؟ أم تراه ، إذا ما صانَ ما علّمناه إيّاه من أخلاق الصدق والأمانة وسواها من ( بضاعة ) انتهت صلاحيتها ، كما يبدو ، سوف يحقق نجاحَه الخاص ؟

أثقُ به ؛ غير أنني لا أستطيع إخراس مخاوفي عليه .

أدخلُ مكتبي ، ملقياً تحية الصباح على " إحسان " و " نسرين " ، وأمارسُ محبتي لهذا المكان حتى الظُهر . عند الثانية وحفنة دقائق بعدها ، أغادرُ إلى البيت . بدأَ التعبُ ينالُ مني ويتجلّى عليّ . لم أعد كالسابق . أُمّني نفسي بقيلولتي الباذخة ، بعد وجبة غداء لا أسأل عنها .

 

النصف الثاني :

قيلولتي نومٌ كامل أغرقُ فيه . أغرقُ فيه تماماً . قيلولتي ليست قيلولة أبداً ؛ إذ هي إبحارٌ في لذةٍ ربما تكون ، في وجهها الآخر ، مَرَضاً غير مُعلَن ! أو علّها أحد وجوه الهروب من أثقال لم أعد أحتملها ، والفرار من مواجهة سدود الأفق وصدود العلاقات وانغلاقها على بناها الناقصة ! ولِمَ لا يكون النوم ، في هذه الحالة ، خيرٌ من صِلاتٍ بتنا نفشل في مَدّها بهواء الحياة ؟ أجَل . هذا هو الأرجح .

أنامُ في صَدَفتي وألتذُّ بذلك . أحلمُ بالآخرين ، فأرى الواحدَ منهم يتخندقُ في جزيرته ، مكتفياً بذاته ! عجيب !

أقومُ من قيلولتي الخرافية عند التاسعة أو العاشرة ليلاً ؛ مثلما حدثَ اليوم . أُعدُ فناجين قهوتي وأشربها . أفتحُ علبة سجائري وأحرقها . أجلسُ لأكتبَ ما سوف أنهيه الآن ، قبل أن يصلَ من نافذتي نداء صلاة الفجر . وأشرع بابي على وردةٍ أعرفُ أنها طفقَت تفردُ بتلاتها بالسّر المستور لتنفردَ ( وأنا معها ) بالشهادة على خليقةٍ لا تتعبُ من تكرارها لنفسها ولخلائقها العاشقين لها رغم تعبهم ـ أو ربما بسببه

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh