Document Title
19/11/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
2007/09/07،
يوسف إدريس.. مبضع المناطق المعتمة - ملحق الثقافة، الرأي
 


إلياس فركوح * - لن أجزم بما شكّله يوسف إدريس لأبناء جيلي من كُتّاب القصة العرب، رغم ما يمكن عدّه إجماعاً على أنه ''أستاذ'' القصة القصيرة في السرد العربي الحديث؛ بقدر ما سوف أُقِّر بأنَّ ''قصة يوسف إدريس'' كانت الأقدر، في ذلك الحين، على استثارة حساسيتي تجاه كتابة القصة. فأن أقرأ، بما يشبه الإدمان، ما كتبه هذا الرجل إنما يعني، في أحد وجوه بداياتي، أنني أعملُ على استفزاز الكامنَ في داخلي، والغامض في تفسيري له.
كأنما تلك المناطق، أو المناخات التي ارتادها إدريس وفتح أبوابها في قصصه، على تنوّعها وكثرتها، هي عوامل حافرة في مناطق غائرة لدى المراهق التوّاق عندي، وبعيدة عن تناول مقدار الوعي الذي كنت أمتلكه حينذاك. ولعلَّ مفردة ''الصحوة'' هي الأدق في تلّمُس ما أعنيه. فالمُغْفَل أو القابع وراء المعرفة تمت استثارته على وَقْع قصص إدريس، فما كان مني إلاّ أن بدأتُ أعي نفسي كلّما تابعتُ قراءتي المتعطشة لنتاجه المتصل.
وإني، حين أقول إنه حَثّني على الوعي بذاتي، إنما أقصدُ فِعْلَهُ فيَّ على مستويين: مستوى الذات التي تكتشفُ العالمَ من حولها بفعل الكلمات. ومستوى اكتشاف هذه الذات لِبُعْدٍ من أبعادها، ألاْ وهو الشَغَف ''بكتابة قصة''! غير أنَّ ما أحدسُ به حتّى الآن، وبما يقاربُ التساؤل غير البريء تماماً من الإدراك: أكانَ العالم المجهول هو ما اكتشفه الصَبيُ الذي كُنتُهُ في قصص يوسف إدريس؛ أم ''العالم المهجوس به'' والملامس لأشواقه في الوقوع على ما هو أكثر تفصيلاً: أكثر حرارةً: أكثر غموضاً والتباساً لمسائل ربما كانت لا تناسِبُ عُمر ذاك الصَبي؟.
حين التفكُّر بذلك؛ والإمعان في المراجعة غير الهَيّابة، يتراءى لي أنني، في قراءتي لقصص يوسف إدريس، إنما كنتُ أقفزُ عن عُمري لأكبرَ من دون أن أنتظرَ السنين في عبورها الطبيعي! ففي داخل كل قصة كنتُ أبني معرفةً لجزءٍ من عالمٍ لم يكن أوانُ الانخراط فيه ، ولو بالعِلم عنه ، قد آن - حتّى ولو كان بكلمات على ورق في قصة متخيلة.
ولربما كنتُ في داخلي أتصادى مع نداءٍ يحاول الإفلات من غموضه باتجاه كشف مستوره، فكانت قصة ''الندّاهة''، على سبيل المثال، السبب والنتيجة في الوقت نفسه. وكذلك ''مسحوق الهمس'' هي المبتدأ في تلّمُس مناطق العتمة مثلما هي الخبرُ في متواليّة حرائق الجسد الداخليّة بفعل رغباته غير المتحققة! وإني إذ أنسى، فلن أنسى ما حييت مقدار الدهشة إلى درجة الانصعاق لدى قراءتي لـ''دستور .. يا سيدة''؛ تلك القصة التي كانت كمن يدفعني في ظَهري، فجأةً، لأسقطَ في قعر قبو النفوس المُظلم، وأقع على اكتشاف كَم يملك الانسان من جَسارة كَسْر المحظورات التي كان ''يخجل'' من مجرد التفكير فيها، وإذ به/بها ''يتمادى/تتمادى'' إلى درجة تحويلها لتكون حياةً أُخرى تصادرُ الحرامَ، فتنعمُ النفوسُ بإرواء ظَمأ أجسادها الصارخة!.
أُقلِّبُ صفحات الكتاب كمن يريد أن يقنع نفسه بأنه لا يحلم، وأتملّى غلافه البرتقالي المدموغ بـ''وصلتْ بالطائرة، الثمن 130فلساً'' في طبعة روايات الهلال، العدد 349- سبتمبر 1969، وبتخطيط الفنان حلمي التوني الناعم!.
ثم يتكّرس يوسف إدريس، القاص الكاشف عن ''المذهل'' في عالمنا الخصوصي، في صميم الشاب الصغير الذي كنته سنة 1970، لدى القراءة المنبهرة بـ''بيت من لحم''. ما هذا! أيّ بيوت هذه التي نسكنُ في حجراتها مغلقة الأبواب! وكيف هي القدرةُ فينا على التحكم ببوصلة التواطؤ الجَماعي على تحليل المحظور الشمولي (اجتماعياً، ودينياً، وأخلاقياً) في ليل العَمى تماماً كما في عَماء الليالي المتواليّة، حين ينقلبُ الخاتمُ الرخيص في إصبع الأنثى ليكون ''الدليل الواضح'' على حلال فعل الحرام - حتّى وإنْ كان بالتناوب في ''مؤامرة'' مكشوفة ارتضى الأعمى (المُتآمَر عليه) بقاعدتها، فتعامى عن خطايا نساء البيت، الأرملة وبناتها الثلاث، الواعيات كليّاً بما يقترفن.
وتتوالى قصصه على التوالي: (أكان لا بُدّ ''يا لي لي'' أن تضيئي النور) وغيرها ليتوالى هو في تأكيد فاعليّة الفن. فيوسف إدريس ليس أستاذاً في كتابة القصة القصيرة فحسب؛ بل الطبيب الجرّاح الذي استطاع، بمبضعه غير الهَيّاب، أن يلجَ إلى مناطق في أرواحنا يمكن أن تكون مظلمة تماماً، مثلما يجوز لها أن تكون هاتفةً بحريّةٍ مطلَقَة تحبسها أعرافُ النسبيّة، وتخنقها أخلاقُ التاريخ. ولذلك؛ يصيرُ لمن يريد أن يقرأ أن يُدْرِجَ قصصَ الرجل في صَعقة الشِهاب العابر للنَفْس، أو أن يضعها على عتبة الإخلاص لحقائق العَيش (وهل ثمة فرق!)
***
ما علينا. فما كانَ من قصص يوسف إدريس عليَّ كانَ ولا رادّ له أبداً. وما كُنتُهُ وما أصابني بسبب تلك القصص لا مناص من الإفلات منه؛ فأنا الآن جاوزتُ إعادة الأشياء لِمْا كانت عليه قَبْلاً (مَن يستطيع!).
أوَلسنا جميعاً هكذا؟ أوَلسنا جميعاً نعجزُ عن محو العلامات التي تركتها فينا ملايين الكلمات وآلاف الصفحات التي قرأنا؟ 
* روائي أردني
 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh