Document Title
26/07/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
2009/04/20،
فركوح: نصوصي لا تستجيب للقراءة المتثائبة
 

روائي أردني يرى أن ثمة في كل كاتب كينونة ثقافية خاصة لا يشترك فيها مع سواه 

حاوره: زياد العناني

عمان- يرى الناقد فيصل دراج أن الروائي إلياس فركوح، منذ بداياته الأولى، أدرك أنّ الشخصية الكتابية أسلوب لا يختزل إلى غيره، وأنّ الكتابة التائهة لا ضرورة لها.

ويقول دراج إن فركوح وصل إلى عمل روائي وجد لذاته مكاناً مريحاً بين أفضل الروايات العربية.

ويضيف أن فركوح المسكون بفكرة اللايقين، لا يطمئن إلى أحادية الصوت، بل إنّه لا يطمئن إلى تعددية الأصوات، إلاّ بقدر، فيضع الشخصية إلى جانب شخصيات، كي تتحاور وتتداخل، متحوّلة إلى شخصية إنسانية شاسعة يخترقها القلق.

ويشير الى أن فركوح في مجمل تجربته يتكئ على منظور روائي يرى العالم في تعدّده، حيث يدرج الروائي في نصه لغات متعددة: الحوار الموجز واللغة التأملية الكثيفة ولغة السرد البسيطة واللغة العامية ولغة غامضة ملتبسة، تتاخم الشعر أو تساكنه.

وفركوح المولود في عمان العام 1948 حاصل على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس من جامعة بيروت العربية عمل في الصحافة الثقافية من العام 77-1979 من مؤلفاته: "قامات الزبد" و "أعمدة الغبار 1996" و "الصفعة" و "طيور عمان تحلق منخفضة" و "إحدى وعشرون طلقة للنبي" و"من يحرث البحر" و"أسرار ساعة الرمل" و"الملائكة في العراء"، إضافة إلى روايته الأخيرة "أرض اليبوس".

في هذا الحوار يتطرق فركوح إلى تجربته الروائية من حيث المبنى والمعنى، إضافة إلى تجربته مع القصة والنص المفتوح.

 

* بداية دعنا نتحدث عن التجربة منذ البدايات القصصية إلى الروائية، وماذا أردت أن تقدم للمتلقي على صعيدي المبنى والمعنى؟

- بدأت من غير أي ادعاءات، بدأت وليس لدي ملامح مشروع، أو رؤية تسعى إلى أن تتحقق عبر (قصص!) كنت أكتبها بيدي المشحونة بثقة لا أدري أي وهم ساقني إليها، أكتب مشاهد أضنتني صعوبة تحققها، وخيبة علاقاتي مع العالم لأن تفاهمي معه كان صعبا (أم لأن فهمي له كان قاصرا، بالأحرى؟)، أو هو البوح بحيرة سؤال الهوية المؤرق، هوية الذات في عزلتها وحيال مرآتها غير الصقيلة. على دفاتر محاضرات الجامعة كنت أكتب، وأحيانا أخربش على أطراف وهوامش الصفحات أشكالا كنت أعتبرها (رسومات!)- وها أنا أستعيد تلك المرحلة، بلحظاتها التي باتت باردة وباهتة بمرور الزمن، وأمسك بي، بذلك الكائن الذي كنته وأعاينه، لأقول له: كنت، يا أنت وقتذاك، وأنا هذا الوقت، عاجزا عن التعبير عما يعتمل فيك بالكلمات، فلجأت إلى الخربشة التي لا تحسنها رسما, فجاءت دفاترك شهادة دامغة تفضح حالة التأتأة، واللعثمة، والقصور، وخلو اليد (أهو القلب؟ ربما) من معنى تعيه، أنت/ أنا هكذا. فلنتصارح، لم لا نتصارح، ونقول بأننا كنا نعصر الصخرة برغبة عارمة تتوق إلى النبيذ، بينما كروم العنب غائبة خلف التلال البعيدة، وغاطسة في حليب الضباب الخفيف؟ أهو ريش الملائكة ما كان يحف ويهف بحب بيننا، باكرا، لنقوم فلا نكتب سوى خربشة التأتآت؟

لم تكن "التجربة" قد اكتلمت بعد، أو علها لم تكد تبدأ، فما بالك بفسحة التأمل الواجبة لكي يصير للعصارة أن تختمر! لكي يصير لي أن أكنز معنى أشحنه داخل كتابة استمدت ارتباكها من ارتباكي!

لست بالكاتب الرائي الآن. فكيف يعقل أن تكون بدايتي، قبل أكثر من ثلاثين سنة، قد بلغت غرور هذا الادعاء!

لم أكتب حتى عندما باشرت ذلك على نحو منتظم، ومثابر، متجاسرا على النشر، وثمة الوضوح الكافي والجاهر في اختيار الأسلوب أو الشكل الفني، كتبت بما كنت أملكه من لغة متحصلة ليست ذات ثراء، لكنها - كما أدعي- امتلكت وعيها المفارق لما كان سائدا وقتذاك في الكتابة، وقوامه العناية في اختيار المفردة، والحرص على تماسك المشهد إلى درجة (التراص)، حيث أدى ذلك كله إلى ما بات شائعا عن نصوصي بوصفها صعبة، لا تمنح نفسها بسهولة، ولا تستجيب للقراءة المتثائبة المتمطية اللائذة بعادة (تزجية الوقت)! ربما دراستي الجامعية للفلسفة كانت وراء هذه الخصيصة، فالفلسفة لا تحتمل الثرثرة المثقلة للنص بما لا ينفع أو يضيف، في الوقت الذي تتطلب الدقة والصرامة المعتمدين على ذكاء القارئ وقدرة التخيل عنده ودخوله إلى فضاءات الصورة الكانزة للمعنى الشفيف.

ثم كان أن اكتشفت طبيعة ما أنجزته، طوعا وبطبيعة، وقلت لنفسي: ها أنت هكذا في صميمك, فكن أنت إذن وإنما, من الآن فصاعدا, حافرا فيك وفي كتاباتك القادمة لتفهم هويتك التي تتجلى عند رصفك للكلمات, كن أنت بلا أي تزوير تفرضه عليك ضرورات المجاملة غير المحتملة في الأدب والفن, مثلما هي مطلوبة عند البعض في تصريفهم لشؤونهم اليومية، لأنك ترى وتؤمن بأن في الأدب والفن تكمن حياتك الحقيقية من دون أي مجاملة، حتى تلك المداعبة لجوانبك وزواياك المعتمة.

* ماذا تقصد بقولك ان لغتك المتحصلة قد امتلكت وعيها المفارق؟

- كنت واعيا لدى تأملي بما كتبت ومقارنته بالكتابات التي كانت سائدة آنذاك بأنني لن أكون إلا مقلدا إذا ما حذوت حذو هذه الكتابة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى سأكون ناكرا لإيقاع اللغة كما هي في داخلي تمر وتعتمل. وهذا راجع كما أسلفت إلى توخي الحذر والدقة عند كتابة الجملة بصرف النظر عن الموضوع المكتوب أو الجنس الكتابي المقصود. هذا وعي مبكر وخاص باللغة في مبدئها الأول والبسيط، لكن ذلك لا يعني امتلاكي لوعي شمولي أو كامل لماهية الكتابة كما هو وعيي الآن.

* ثمة من يرى أنك تحفر في اللغة الى الحد الذي يعني أن تركيزك يتجمهر في شحذ المفردات والتلذذ بها ..ماذا تقول في هذا المجال؟

- من جديد أكرر وأعيد بأن اللغة في الكتابة الادبية ليست أداة تعبير فقط، بل هي إحدى المواد المنشودة أيضا. وهي أداة وغاية في الوقت نفسه، وكل من لا يراها على هذا النحو فإنه يشهد على فقدانه الإحساس بجمالية اللغة وحيويتها التي تشحن النص بأكسيد قد يكون هو سر وسحر النص في يد القارئ بمتعة مغايرة لا بل مضاعفة.

* أنت ترى أن اللغة أداة للنص وإحدى غاياته.. ماذا تقول عن المعنى؟

 - لست من الذين ينكرون على أي نص فني وأدبي معناه الكامن في داخله، والمقروء على نحو ما، وأقصد أن هذا المعنى لا يكون بإشارة أو غاية، بقدر ما هو يتحلى بخفاء ما كلما تابعنا القراءة تخفف من أمتعته رويدا رويدا وجلى نفسه بقدر ما يتحلى القارئ من وعي قراءته له.

غالبا ما تكون نصوصي محاولة في الإحاطة بحالات أكثر من كونها تفسيرا لموضوعات تحير بمعناها، وتأسيسا على ذلك فإن ما تكتنزه تلك الحالات من دلالات أو معان لا تظهر وجوهها إلا عند اكتمال عملية السبر في الحالات إياها. فالمعنى موجود لكنه وجود مغاير للمألوف في كتابات الآخرين.

* تتحدث عن هوية الذات في عزلتها، إلى أي مدى تستطيع أن تضع يدك على هوية الذات في الحياة وفي الرواية معا، خصوصا وأنك تنكر على نفسك صفة الكاتب الرائي؟

- لست رائيا بكل تأكيد إن كانت الرؤيا تعني حيازة الإجابات، أنا لا أملك أي إجابة قاطعة حيالي أنا شخصيا، سوى إنني لا أتعب من طرح الأسئلة علي كلما واجهني موقف يتطلب إجابة عليه. أو كلما تواجهت مع آخرين من أجل الخروج بإجابة ما. إن الإجابة عندي ليست أكثر من مجرد اقتراح قابل للتعديل، لأنه في الأساس منه قابل للخطأ. لكنني لست أيضا على هذا القدر المفتوح للنسبية في مواقفي، إذ هنالك عدد من القضايا التي أعملت عقلي فيها، واجتهدت نفسي للخروج بالاجتهاد، وعندما أعلنته فإنه تحلى بما يشبه اليقين، ولهذا فأنا أدافع عنه حتى يثبت عكسه. أنا طارح أسئلة لأن في السؤال إليه استفزاز للرؤية ما لا يرى ومعاينة ما هو غير ظاهر.

* ماذا تقول في المشهد الروائي في الأردن، وخفوت صوته مقابل المشهد العربي، وأين يمكن أن تتوهج الرواية فيه بالنسبة للمكرسين والجدد؟

- يصعب علي، حقيقة، الموافقة على فرضيتك هذه، ففيها، كما أرى، اللجوء إلى القطع والحسم كأنما نحن حيال حالة منتهية تماما، وبذلك نحن حيال إجماع على مسألة نريد دراستها ومعرفة أسبابها.

من جهتي، وبحسب اطلاعي المعقول على ما يكتب عربيا، أجد أن راهن الرواية في الأردن ليس راهنا متراجعا، بقدر ما هو وقوف عند حد والتلبث داخل ما أنجزه حتى الآن، بوسعنا، إذا أخذنا هذا وتقليبه، استلال معنى التراجع، لكنه أحد جوانب الجواب ليس إلا، وليس هو بالجواب المكتمل، كما أود التنبيه إلى حقيقة أن الكتابة الإبداعية، في جوهرهاـ لا تتأتى إلا عن ذات مفرد لا تعبر، بالضرورة، عن ذات الجماعة دائما، في الكتابة الناتجة عن الفرد ثمة تصور للجماعة بمعناها الاجتماعي، ولكنها ليست، أبدا صورتها الثقافية، ففي كل كاتب فرد تكمن كينونة ثقافية خاصة به لا يشترك بها مع سواه، وإن كان ثمة تشابه أو تقاطع، فلا نعتمده جوهرا، بل إحدى التجليات اللازمة لمناخ ثقافي معرفي عام.

عربيا، لا تزال الأسماء المكرسة هي السائدة والطافية على المشهد الروائي، اللهم سوى حفنة أسماء جديدة تتفاوت في عددها من بلد إلى آخر بحسب تعداده السكاني، ولا تتمتع جميعها بالمستوى الواحد المشير إلى أن سيرورة قوية بدأنا نشهد اندفاعة موجتها بحيث تنحي جانبا الأسماء السابقة.

نعم هنالك أسماء جديدة كتبت وفق رؤية جديدة، حيال الحياة وبالتالي حيال الكتابة الروائية نفسها، غير أن هذا لا يعني، وخصوصا لدى النظرة الشاملة البانورامية، أن تقدما يحدث (هناك) بينما نعيش تراجعا (هنا)!

أوافقك الرأي في أن الجديد ليس لافتا، على المستوى الفني، بما يكفي لمنحه شهادة التميز، كما نأمل، ولكن، علينا أن لا ننسى بأن (الكيف) لا يخرج إلا من جوف (الكم) المتراكم.... فدعنا نتجمل بالصبر على عملية التراكم هذه لنرى، وإني هنا أؤكد على عامل الزمن وفعله، وأحب المراهنة عليه، فالسلف ليسوا أفضل من الخلف بالضرورة، مثلما الماضي ليس أبهج من المستقبل بالحتم.

التوهج في الكتابة الأدبية الفنية عموما، وفي الرواية التي هي قيد المساءلة الآن، لا يكون بمعزل عن رؤية/ رؤيا مغايرة وجديدة تستدعي معها سياقاتها الكتابية المختلفة كما ان ذلك بمجمله لا يتحقق من دون عناء وتعب القراءات المتعمقة المتسائلة للثقافات المتنوعة والثرية, وللحياة الهائلة في جوانبها المعطاءة, وهذا, في رأيي, يشمل المكرسين والجدد من الكتاب, ولا يستثني من يعتقد بأنه أحرز انجازا مهما, فرحلة الكتابة, عند الكاتب الواعي, تتدرج في صعوبتها كلما قطع في مسارها شوطا!

وإني أشدد على السؤال، من دون الارتكاز على سؤال ما يؤرق صاحبه, لا توجد كتابة تستحق القراءة، أما الكتابة المستريحة إلى إجابات جاهزة، فلا تعدو أن تكون تحبيرا تعليميا للورق... لا للقارئ- أي قارئ.

* هل لنا أن نسأل عن كتابتك للنص المفتوح، هل كانت مرحلة معينة، أم أنها ما تزال ضمن سياقك الإبداعي؟

يجيء عديد النصوص، ولدى بعض الكتاب، من منطقة تبدو بعيدة عن حقل اشتغالاتهم الأساسية، فتشكل علامة فارقة، كالشامة في وسط الجبين، وبذلك تثير وجاهة السؤال، غير أنه سؤال الكاتب لنفسه أولا، قبل أن يكون سؤال الآخرين، وإذا ما ذهبنا أبعد في عملية الحفر, فإننا نعثر على حقيقة ان هذه الكتابة الاستثنائية, هذه الكتابة "النشاز"، إنما هي الكتابة التي لم يستطع كاتبها أن يفصح عن طبقة كامنة فيه بالإعتماد على مألوفه الكتابي.

هو ليس اختيارا كاملا، وليس حرا كاملا، إبان الكتابة الفعلية، بقدر ما هو استجابة لنداء طلع متحرشا بي يدعوني لأن أسلك طريقا آخر، غير مألوف لي، لكي أملك من خلاله قدرة الإفصاح عنه، والتي أشرت إليها قبل قليل.

هنالك حالات تحجز لنفسها مساحاتها، ولا يمكنك دخولها إلا حين تلجأ إلى مفتاح معين واحد، إذ جميع مفاتيح العالم لا تنفع!

لا أملك جوابا قاطعا إذا ما كنت سأعود لكتابة النص المفتوح، المتفلت من أي تجنيس، لست أدري على وجه اليقين، لكنني في حالة تجدد النداء الطالع من داخلي والمتحرش بي، فلسوف ألبيه. ولم لا؟ ألسنا جميعا مريا دواخلنا (الكتاب الصادقون أعني، البشر الأمينون أقصد)... بعيدا عن أي تحريف لأقوالنا، أو تزوير لأفعالنا؟

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh