Document Title
19/11/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
2006/03/17،
الروائي والقاص الأردني الياس فركوح يتخلى عن «لعبة الأقنعة» ليتقدم إلى كتابة السيره .. حاوره- حسين جلعاد - الرأي
 
بعد نحو ثلاثين عاما من الإبداع، يتخلى الروائي والقاص الياس فركوح عن «لعبة الأقنعة»، ليتقدم إلى كتابة سيرية، يتهيبها كثير من المبدعين، وهو بذلك يضع قلبه وروحه باسمه وتاريخه الصريحين على بياض الورق، ليستنطق ذاته التي تحمل ارثها الشخصي والاجتماعي والتاريخي في ضفيرة تجدل تحولات الذات بفردانيتها وعقلها الجمعي معا، حيث التاريخ العام جزء من الذات، وحيث الفرد بؤرة للتحولات والأفكار الكبرى.
في روايته الجديدة، قيد الكتابة، يعود فركوح إلى «ذات لم تبن أو تتشكل بمعزل عن الآخرين والاشتراطات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي وضعتهم جميعا في أتون لا يستطيعون الفرار منه. ولا يستطيعون، في الوقت نفسه، إلا أن يجابهونه بمقدار ما يملكون من وعي» حسب ما يوضح في حوارنا هذا معه.
الرواية الجديدة كانت أيضا مدخلا للحديث حول تنظيرات الكتابة والنقد، وكذلك مكانة الأدب الأردني وتواجده في الساحة الثقافية العربية، وكذا إشكالية العلاقة بين الإبداع والسياسة.
والياس فركوح من مواليد عمان عام 1948، تلقى تعليمه حتى الثانوية العامة متنقلا بينها وبين القدس، وهو حاصل على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس، وعمل في الصحافة الثقافية من عام 1977 - 1979، كما شارك في تحرير مجلة «المهد» الثقافية طوال فترة صدورها، وأسس دار أزمنة للنشر والتوزيع عام 1991، ويعمل مديرا لها. حازت روايته «قامات الزبد» على جائزة الدولة التشجيعية للعام 1990 وكذلك حاز على جائزة الدولة التقديرية/ القصة القصيرة عام 1997 كما نال جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة من رابطة الكتاب الأردنيين، وكانت الرابطة، قبلها، منحته جائزة أفضل مجموعة قصصية للعام 1982 (إحدى وعشرون طلقة للنبي).
صدر له نحو عشرين كتابا في حقل الرواية والقصة والمقالة والنصوص والترجمة ومنها: «أعمدة الغبار» (1996)، «قامات الزبد» (1987)، وفي القص: «شتاءات تحت السقف»، «حقول الظلال» (2002)، «من يحرث البحر» (1999)، وفي المقالة «أشهد علي.. أشهد علينا: السرد، آخرون، المكان» (2004) وفي النصوص: «الميراث الأخير» (2002). وفي الترجمة: «آدم ذات ظهيرة - قصص مختارة» بالاشتراك مع مؤنس الرزاز، وتاليا الحوار:

* «ميراث الأخير» مجموعة نصوص بحسب التوصيف المكتوب في سيرتك الإبداعية، لكن قياسا إلى حجم المؤمل وما كنت تتمناه فهو نصوص شعرية، لماذا كنت أعلنت عنها بداية على نحو «سري»، إن جاز التعبير، حيث كنت نشرتها في الصحف تحت اسم مستعار (راكان خالد)، ولم تعلن عن تبنيها سوى لاحقا؟ وهل الشعر بالنسبة لك يحتاج مغامرة لتكشف عن وجوده فيك؟ ما الذي يريده الروائي والقاص من الشعر؟ ماذا يحقق له مما لم يقله، خصوصا أنه امتلك ناصية التعبير في كل ذلك السرد الذي أنتجه؟

ليس جديدا حين أقول أن مجموعة نصوص «ميراث الأخير»، كانت محاولة مني لاستكناه معنى الشعر الذي توسم به لغتي أو تشكيلي للفضاءات المتوفرة في كتابتي السردية، وهذا يعني أنني، بقدر ما كنت أريد أن أطرح السؤال على الآخرين الذين يقرأون تلك النصوص بالاسم المستعار المشار إليه. كنت أيضا أسأل نفسي واستفسر عن ماهية الشعر أو جوهره بعيدا عن الأشكال والأوزان، وبعيد هنا أشدد على ما سأقول- عن صخب المعارك والسجالات التي اعتدنا عليها في المجلات والصحافة الثقافية. وإني لأسأل، حتى هذه اللحظة: ما هي طبيعة نصوص «ميراث الأخير» إذا ما أخضعناها لترسيمات الأجناس وحدودها؟ أهي قصيدة نثر بمعنى احتمال تضمنها لشعرية ما جاءت على نحو سردي؟ ما زلت حتى الآن عاجزا عن الإجابة. أما عن كون الشعر طموحا أو أمنية لطالما أردت أن أدخل غمارها؛ فلا أعتقد أنها كانت كذلك حقيقة. هذا البعد أشعره أو أشعر به يتحرك في داخلي حتى في خضم انشغالي بصياغة مشهد سردي، يوقفني ليسألني عن هويته في لحظة أشركه فيها بسردية واضحة قد تبدو هجينة إذا ما انضفرت في هذا البعد.

انفتاح الكتابة «ميراث الأخير» إشارة على انفتاح كتابتي، بالعموم، على فضاءات أو مناطق لا تحبسها الأجناس، ومن ثم فلن تجيء رغما عني، إلا بنصوص تتسم بخلاسية لا ارفضها، بل أرغب في أن تكون، وربما لإيماني بأن اختلاط الدماء في حد ذاته، أو إذا ما استعرنا تشبيهات المستشرقين أو المستعمرين الغربيين هذه «الهجنة» الجميلة. إن لجوئي إلى التخفي وراء اسم مستعار، كان بسبب من عدم وثوقي مما أكتب، جازما، في الوقت نفسه، بأن هذا ليس سردا- وهو ميداني المألوف. وكنت أخشى إذا ما وضعت اسمي الصريح أن تقرأ النصوص لدى الجميع مغلفة بأحكام مسبقة تأتت من قراءاتهم لسرودي. وأعود فأقول أن النصوص بالاسم المستعار كانت تجربة لاكتشاف هويتها من جهة، وربماهو خبث مني للوقوع على مدى عمق أو هشاشة شرائح كبرى من القراء/ المثقفين/ الكتاب.
ما أريده من الشعر هو أن أمتلك،حقيقة، بعض تمشيحاته، إن جاز التعبير. أن يثري سردي وأن يساعد، في الوقت نفسه، على توسيع مسألة المخاتلة وتعميق المعنى، وتعدد مستوى الدلالات. هذا ما أريده من الشعر في داخل نصي السردي، ولا أدري حتى الآن كم كنت قد نجحت في ذلك أو في جزء منه، أو تطعيمه وتعميق معناه ودلالاته.

تجربة شعرية
* بالقياس إلى ما أتيت على ذكره الآن بخصوص المخاتلة، واستعارة الاسم للتعبير عن «تجربة شعرية»، إلى أي مدى تعتبر التجربة الروائية لديك مخاتلة أيضا؟ بمعنى كم اسما حملت شخوصك الكثيرة والمتعددة المناخات- لاسمك الحقيقي الأصلي؟

لا أخفي- لا بل أعلن- أنني كشخصية خارج النص كاتبة له في الوقت نفسه، عن تواجدي المستمر والمتصل بحيث لا أستطيع الفرار مني، حين أتعرف في سرودي الروائية إلى كل تلك المراحل التي مررت بها، أسوة بمجايلي.
هذا يعني أنني تقنعت بأكثر من اسم دون أن أخفي هذا القناع أيضا، لا بل أعمل في روايتي الجديدة على استنطاق القناع نفسه، فربما يخبرني عني بما لا أعرف، داعيا إياي إلى السفر في وكشف ما كان مطمورا قبل الكتابة، فبات مكشوفا على وقعها. قد تكون أو تندرج الرواية الجديدة في إطار الرواية السيرية أو السيرة الروائية، ولست هنا بمعترض على التسمية؛ إذ ليست هي العنوان الذي كتبت في مناخاته واشتراطاته هذه الرواية، بقدر ما أحاول فيها، مثلما حاولت في سابقتيها، أن أقول عني في نسيج رؤيتي لسواي في الإطار الزمني المشار إليه بالمراحل. وكذلك امتحان مكاني وسط هذا الحشد الهائل من تفاصيل كانت في نتيجتها قد شكلت لوحة الانكسار الكبير الذي عشناه وما نزال حتى هذه اللحظة. كأنما الانكسار يطالبنا بالكتابة عنه علنا، إذا ما فعلنا وعلى نحو صادق، نقدر أو نستطيع أن نجبر شظاياه؛ لكي نرانا دون تزييف.

كشف الذات للذات
* نجهد في أولات الكتابة إلى التقنع وراء الشخصيات، ثم ها أنت الآن تعود إلى كشف الأقنعة للوصول إلى ما تخفي وراءها، ما الذي تحاوله الكتابة إذن؟
بل ما هي الكتابة بعد كل تلك التجارب، وكل ذلك العمر؟


المزيد من كشف الذات للذات ضمن مفهومي الواضح والقائل بأن هذه الذات لم تبن أو تتشكل بمعزل عن الآخرين والاشتراطات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي وضعتهم جميعا في أتون لا يستطيعون الفرار منه. ولا يستطيعون، في الوقت نفسه، إلا أن يجابهونه بمقدار ما يملكون من وعي، أو نصف وعي، أو شبه وعي أو بوعي مشوه. الكتابة الآن هي كتابة الذات غير المعزولة عن محيطها، وليس هذا اختيارا أو التزاما بلحن قديم لا يزال ينبعث من الكراريس والكتب الأيدولوجية؛ بل هو الصوت الصادق الذي يحاول، على الأقل، أن لا ينسب أخطاء هذه الذات إلى الآخرين، وكذلك أن يواجه الآخرين بأخطائهم حتى وإن عبسوا وتولوا.
الكتابة، كما أراها وأعاينها في كل حرف أكتبه في هذه الرواية الجديدة، هي كشف حساب لمجموع الأخطاء والخطايا. الكتابة تراكم أخطاء ينبغي، على ضوء رؤيتي الخاصة لها، أن أعيد ترتيبها لتكون الفضيحة في «أجمل» صورها و«أزهى» تجلياتها.
الكتابة ليست بطولة، تماما مثلما أن البطولة قد انتزعت منا حيال واجبات بناء ما كان مكسورا وما يزال؛ ولهذا قد استعير مفهوم البطولة في إعلاني عن افتقاري لها.

فضيحة مجتمع

* الكتابة السيرية تفتح شهية القارئ على تتبع «فضائحية» ما، أو أسرار يبوح بها الكاتب. إلى أي حد تلبي روايتك السيرية الجديدة شروط حيازة الشجاعة في كشفها والإخبار عن السيرة الذاتية؟ هل هي كتابة منقادة فعلا، أم أنك تغالب فيها ضميرك الجمعي والاجتماعي؟

أنت تعرف أن الكتابة، حتى وإن كانت من الذات عنها، إلا أنها وبسبب وعيي على أنني لست سوى الفرد الواحد وسط حشد من الأفراد الآخرين؛ إذن فلن تكون الرواية إلا صورة ما من صور اشتباك أو امتزاج هذه الذات بذوات أخرى تتلاقح معها وتتصارع، تتآلف أو تتنافر، لكنها سيرة وجه يحمل ملامحه، ويحمل ملامح أخرى ليست له أيضا. وهذا من صميم الكتابة، كما تعرف أيضا.
سيجد القارئ مناخات أخرى وجديدة، وسيقع على اعترافات قد لا تكون في تفاصيلها فضائحية، لكنها في صميمها وفي جوهرها إنما تدل على أن الفضيحة، إن مارسنا أفعالها، ليست سوى فضيحة مجتمع أجبرك وأجبرنا جميعا على اقترافها.

باب التجريب

* أين تصنف كتابتك هذه قياسا بتجارب السرد العربي، هل تراها «معمارا نافرا» كما وصفها أحد النقاد، أم أنك تقدمت إلى مساحات إبداعية جديدة أردت فيها أن تناسب أشكالك مواضيعك؟

إذا نظرنا إلى هذه النصوص من الخارج، فلن تكون إلا نصوصا مفارقة للسائد إن في لغتها أو في بنائها. أتفق مع هذا الرأي لأنني، حين كتابتي، أتقصد ذلك بوعي حاد منطلقا من أن الكاتب في النهاية هو أسلوبه، وأن الكتابة في محصلتها هي كاتبها.
هذا من الخارج. أما إذا نظرنا إلى هذا المنتج المكتوب من زاوية داخلية (إذا جاز التعبير)، فأزعم أن رؤيتي إلى العالم وبالتالي إلى ذاتي تتحلى بخصوصية هي محصلة طبيعية لا بطولة فيها ولا تميز. وإذا ما صح هذا الزعم، فإن هذه الرؤية الخاصة ستتشكل بالكتابة على نحوها الخاص كتابة خاصة بالتالي. هكذا تتبادل عمليتان أدوارهما لتكملا مشهد الكتابة: رؤية خاصة إلى العالم، رؤية خاصة إلى الكتابة، مما يؤدي إلى: الكتابة على غراري.
هل هذا تجريب؟ أنا لا أستريح تماما إلى توصيف هذه الكتابة وإدراجها في خانة التجريب؛ لأن التجريب يعني التقصد من أجل المغايرة، وهذا يتضمن افتعالا بمعنى ما لست أحبذه. أزعم، من جديد، بأن مغايرتي تأتت من كوني في داخلي، وكيفية تفاعلي مع محيطي، إنما هي تجلية لخصيصة أفردت وأفرزت كتابة مغايرة. فالمغايرة بهذا المعنى مغايرة طبيعية لا تقصد فيها ولا تكلف، أو هذا ما أراه.

نزعة التفكيك

* في مناحيك «التجريبية» ثمة نزعة إلى التفكيك، وإعادة بناء المواضيع التي تعالجها من زوايا مفارقة للوعي السائد، كيف يمكن الوصول إلى كتابة إبداعية يوازن فيها الروائي بين رؤاه الخاصة، وبين ما يجريه من سرود على ألسنة شخوصه؟ أم أن الرواية فعلا هي رواية صاحبها؟

هي رواية صاحبها دون مواربة أو تزويق في الكلام. غير أن سؤالا يطيب لي أن أطرحه علينا كلينا: من هو الكاتب؟ من الفرد؟ أوليس هو، في عمقه، أكثر من كائن واحد، بمعنى أكثر من وجه واحد!!. بمعنى أنه حمال لأثقال من التناقضات هي ملامح منه ومن غيره؟ إذا وصلنا إلى اتفاق على هذا الضرب من التعريف؛ فإن جملة الشخصيات المتباينة أو ملامح الشخصيات المتباينة في قصصي وروايتي ستكون نسخة فنية، وصورة أحيانا بالأبيض والأسود وأحيانا أخرى بالرمادي، وأحيانا ثالثة بالألوان بفضاءات داخلية تكرس مبدأ التناقض وصراع صاحبه من أجل خلق توازن لا يتحقق، في نظري، إلا بالكتابة.

الإبداع الأردني
* استطعت مع عدد من مجايليك أن تذهبوا بالإبداع الأردني إلى مساحات غير مطروقة سابقا، وحين يتم الحديث الآن عن إبداع روائي أردني، فإنكم تذكرون كجيل رسخ أدبا أردنيا ذا ملامح مميزة. إلى أي حد استطاع المبدعون الأردنيون الوصول إلى الساحة الثقافية العربية، بحيث يمكن القول أننا أصبحنا الآن جزءا صلدا منها؟

من الضروري الإشارة والتأكيد على أن نضجا ملموسا قد تحقق في عديد من النصوص السردية (قصة ورواية) والشعرية، ما كان له أن يتبلور إلا لأن تراكما قد لحق بهما أنتج، بالضرورة، ملامح نوعية لا يجوز إغفالها من جهة. كما لا يجوز عدم إدراجها عند دراسة المنجز الأدبي العربي وفي حدود التميز من جهة ثانية. وإني حين أدلي بشهادة كهذه لا أصدر عن مبالغة، ولا عن جهل وعدم إطلاع عما يسجل الآن في المدونة العربية.
هنالك ما ينبغي الإلتفات إليه في كتابات أنجزتها مجموعة أسماء أردنية، وذلك لاستحقاقه هذا وبعيدا عن مجاملة الذات لذاتها، أو خداعها بالتحرك داخل إطار الوهم.
فعند تصفح مضمون ومحتويات المدونة العربية، فإننا سنقع للمبدع الأردني فيها على نصيبه الواضح دون شك. غير أن جملة أسباب تكمن في الإبقاء على هذا المنجز بعيدا عن الضوء وسط منطقة الظلال والعتمة على نحو يلحق به الظلم.
ولكي لا نلجأ إلى تبرئة ذمتنا ؛ علينا أن نعترف بتقصيرنا في حق أنفسنا ؛ إذ لم تعمل جهة رسمية أو أهلية ذات صلة بالثقافة على «تسويق» هذا المنجز بصورة منهجية وعملية. لم تعمل هذه الجهات على ذلك حتى أردنيا ! حتى في الداخل ؛ فكيف سننتظر منها أن تفعل هذا في الخارج ؟! كما أن الصحافة المحلية لا زالت تتعامل مع نفسها على أنها مجرد صفحات تقرأ في عمان ومدن ثلاث أخرى، دون أن تتحلى بطموح أكبر لأنها، للأسف، تفتقد الرؤية المتجهة للعالم خارج حدودنا. علينا الإقرار بدوام مركزية بعض العواصم العربية في حقل الثقافة دون أن تتخلى عن نظرتها لنفسها كونها كذلك. أما الأخطر؛ فهو توطن هذه النظرة حتى عند مبدعينا على الأغلب. فهم يرون بأن الاعتراف بهم خارج الأردن سيعمل على تكريسهم داخله !.. ولعل في هذا شيء من الصحة.. للأسف.

الثقافي والسياسي

* جهد الأدباء في دفع تأثيرات السياسة، وكذا جهد المثقفون في دفع تأثير السياسيين عن نصوصهم وإبداعاتهم، ولكن رغم أن المبدع/ المثقف وازن بين إبداعه وحضوره الثقافي في الحياة الاجتماعية والسياسية، بمعنى أنه تعاطى مع الفعل السياسي والتغييري على هدي من تجربته الثقافية، إلا أننا نلمس مؤخرا طغيان النظرة الأدبية الصرفة في تعاطي المثقف مع ثقافته، فيما العالم الآن غدا أكثر تسييسا، وأوغل السياسي في سيطرته تحت مسميات «محاربة الإرهاب» أو «الدفاع عن حرمة المقدسات»، فيما نرى المثقف ينسل مثل خيط ماء دقيق بدعوى حريته وتنسكه الإبداعي.؟
كيف ترى إشكالية علاقة الإبداع بالسياسة الآن وكيف يمكن الوصول إلى صيغة متوازنة بين الثقافة والسياسية؟


إن علاقة الإبداع بالسياسة علاقة إشكالية بامتياز، نظرا لصعوبة التوفيق بين البرغماتية والمثالية. ففي الأولى، غالبا وكأنما هي القاعدة، تنحى الأخلاق والمبادئ جانبا لتحل محلها اشتراطات المنفعة والجدوى الآنية، مكرسة نفسها على نحو تبريري قوامه أن السياسة «فن الممكن». ولأن الأمر هكذا ؛ فلنا أن لا نفاجأ بكم الأخطاء بل الخطايا التي سوف تلحق بالإنسان لحساب «تحقيق الممكن» في خضم صراعات الدول أو تحالفاتها رغم براقع الأخلاق والحقوق الكاذبة وباسمها زورا وبهتانا.
ولهذا ؛ فإن إشكال التناقض يبرز قاطعا صارخا عندما يكون الإبداع، ممثلا بمنتجيه، يقف على الطرف النقيض تماما من السياسة ؛ والسياسة العربية تحديدا كونها لا تتحلى بالأخلاق أساسا، وفي الوقت نفسه لا تملك وزنا حقيقيا في تقرير «سياساتها» الاستراتيجية فتفقد لهذا السبب حتى شرف الانتساب لمصطلح السياسة لأميتها الفادحة في كلا الوجهين.
الإبداع، في جوهره العميق، معاكس تاريخي للفساد بكافة تجلياته. فما بالك، إذا ما كان للفساد الكلي صفة الجامع المشترك للسياسات العربية وكتائب العاملين فيها من (سياسيين) يفتقدون حتى الخصائص الاحترامية لهذا.
غير أن ذلك كله لا يعني انصراف الإبداع بمبدعيه، عن الخوض في المسائل والقضايا التي تفرزها السياسات العمياء أو الحمقاء عندما تطال في نتائجها تفاصيل الإنسان الفرد في حياته اليومية. ولأن ما أشير إليه ليس استثناء؛ فإن نسبة عالية من الإبداع العربي ما يزال غير مستنكف عن التعرض في نصوصه لتلك الحالات، رغم تسربلها ضمن الجيلين الأخيرين بعوالم الذات التي تبدو خالصة تماما. وحتى لو افترضنا نسبة عالية من هذه الكتابات قد انصرفت فعلا إلى دواخل كتابها / كاتباتها ؛ فذلك أحد آثار غياب العمل السياسي المحترم والمقنع في جانبي السلطة والمعارضة معا.
هنالك (صيغة غير متوازنة) تعيشها مجتمعاتنا العربية بكل ما يحمل التوصيف من معان. فهل ننتظر من النص إلا أن يكرس ذلك إما رفضا، أو كفرا، أو انكفاء درءا لمزيد من خسائر الروح.. والبدن.
* شاعر اردني

خرزة زرقاء

أنا صاحب مريم الأول. ومريم صاحبتي الأولى. ولي اسم اقتبسه أبي من معجم القديسين المحفوظ في ذاكرته، وأطلقه علي. لم أستطع تحمل تبعات الاسم. إنها ثقيلة فادحة، ولست أنا سوى بشري لا يطمح إلى أن يكون أكثر من ذلك. لست سوى رجل يشقى ليكون بشريا ويحافظ على هويته هذه. وهذا، مثلما اكتشفت عبر العمر المار كالبرق، ليس بالأمر الهين. أبدا. فأن تصون بشريتك يعني أن تنخرط في ألف معركة لن تفوز إلا في أقل قليلها.
للاسم الذي أحمله كرامات وهالات لا أستحقها. أنا ضعيف، غالبا، ولعلني ضعيف دائما إذ أعجز عن تحديد أو تذكر جولات فوزي في المعارك الألف التي خضتها. وربما يكون هذا هو سبب إغفالي لإسمي، بقدر ما يسعني ذلك، وإلباس شخصي إسما آخر حين الاقتضاء. غير أني، عند تأملي بالمسألة، أراني أراوح في نقطة التجاذب لنقطتي السؤال : من يتلبس الآخر ؛ الإسم أم حامل الإسم ؟ ثم أخلص إلى التشكك بالقول الذائع :«لكل إمريء من اسمه نصيب.» ففي داخل جميع الذين حملوا بأسماء ذات تاريخ بطولي أو استشهادي، أو أي تميز آخر ؛ إنما ثمة صخرة تربض هناك تجرهم إلى تعاسة العجز ومرارته. فالواحد منهم، رجلا أو امرأة، كان أن لقح بجرثومة التناقض. الاسم في جهة، وصاحب الاسم في جهة أخرى، وبين الجهتين يدور صراع التماثل المستحيل. مساكين هم إذا ما عملوا على أن يتماثلوا مع تاريخ أسمائهم. أنا لم أفعل ولم أسع. غير أن ذلك لا ينفي احتمال أن أكون مثلهم، آخذا بالاعتبار لاوعيي عما يدور داخلي من محاولات كهذه. فالأمور تتحدد بخواتيمها كما نعرف.
نعرف هذا لأنه عادة ما يقال.
ويقال، في العائلة، أن أبي أسماني باسمي المقدس والجليل حماية لي من مصير قضى على أخ وأخت سبقاني إلى الحياة، وسبقاني إلى الموت صغيرين، أيضا. فنذر أبي بأن لا يقص شعري، مهما طال، إلا في كنيسة مار إلياس في خربة الوهادنة ناحية عجلون. وكذلك، في صيدنايا، سوف يتم تعميدي صبيا، لا طفلا، في جرن الدير المقدس هناك. فسافرنا برفقة عرابي إلى سوريا.
كان له ما أراد. وكان علي أن انتظر طويلا، محتملا إزعاجات النذر الذي جعل جنسي الطفولي محل إشكال، ومصدر خطأ الآخرين وارتباكهم، وسخريتهم أحيانا لن أنسى ذلك كلما مثلت مريم في الذاكرة.
«ماشاء الله !»،
لاحظت امرأة تجاور أمي في مقعد الحافلة الذاهبة من شارع الملك طلال إلى المحطة. ثم رفعت الملاية السوداء الشيفون الشفيفة عن وجهها، وأتبعت:
«شو هالبنت الحلوة !»
بسملت، ومسدت على رأسي حتى نهاية شعري الملموم ب«شبرة» من القماش الأزرق. ربما كانت من «فضلة» ثوب خاطه أبي لإحدى سيدات عمان أواخر الأربعينيات. «يوه !»، ردت أمي بلكنتها الشامية المميزة، وصححتها مستنكرة على الفور :
«هذا صبي يا ست.»
وعندما عادت بي إلى البيت، أوصت أبي، فاشترى خرزة زرقاء علقاها حول عنقي بأنشوطة من الجلد الناعم.


مقطع من رواية قيد الكتابة
 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh