Document Title
19/11/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
2007/09/09،
فركوح: قمع السلطات يمكن تداركه - موقع إيلاف
 
منى وفيق  - إيلاف : قامات الزبد، أرض اليمبوس، من يحرق البحر.. وغيرها من روايات مهمة لإلياس فركوح تراقص مخيلة المبدع باستمرار.حوار مع إلياس فركوح لا يحتاج إلى تقديم. مرّ بي خاطر مجنون وأنا أحاور إلياس فركوح الروائي و القاص الأردني و صاحب دار نشر أزمنة.. لم أطرد هذا الخاطر للآن." انزعي شعرة من رأس إلياس وضعيها مقدّمة للحوار معه..هذا ما قلته لنفسي.
إلياس ـ هل ربحت العالم بأسره..هل خسرت نفسك بكتابةٍ هي سواك وليست أنت؟
لا تجبني في أي من حواراتك القادمة.. لا تنس فقط أنني سأحرص على أن أجد في الجرائد و في مقدمة كل حوار معك شعرة بيضاء من رأسك....

1. ما الذي من الممكن أن تفعله بهذا المجتمع الذي ترى أنه الرقيب الأشد والأقسى من الرقيب الحكومي؟ وإلى متى هذا الخوف من التيّار المحافظ داخل المجتمع الأردني؟
 يتطلب الأمر، حيال مجتمعٍ كهذا، توازناً وحِكمةً لا يخضعان لابتزاز اللحظة الراهنة، كما لا يرتهنان للنَزَق والتطرف المقابل. وربما تكون القاعدة الذهبيّة في التعامل مع الحالة التي نحن بصددها هي التالي: لا إفراط ولا تفريط.
علينا، بهذا المعنى، أن لا نعيش وَهْمَ أنَّ ما نراه هو الحق المُطلَق وأنَّ الصواب، بالتالي، إلى جانبنا دائماً، وبذلك ننطلق بلا هوادة باتجاه اكتساح "مناطق" في القِيَم المجتمعيّة يكون من نتائجها إثارة عناصر خبيئة تنتظر المناسبة لتفجير الوضع بأكمله، وعلى نحو يُخرج المسألة عن نطاق السيطرة ويمنحها بُعْداً كاذباً. فإنْ تحامقنا وذهبنا حتّى الأقصى في ممارسة ما نراه صواباً، دون التروي والحَذَر؛ فلسوف نحكمُ أنفسنا بـ "منطق" المغامرة ـ إنْ لم أقُلْ المقامرة. ومن جهة مقابلة (وهذا في رأيي أحد معايير محاسبتنا لطبيعة بنيتنا البديلة) إنما نكون قد تخلينا عن الأخذ بمبدأ أنَّ الحقيقة ليست كلّها في حوزة طَرَف اجتماعي واحد دون سواه، وألغينا الحوارَ بالضرورة. وهذا، في حد ذاته، لفعل إنكار لحريّة الرأي الآخر وللديموقراطيّة التي ننادي بها. ناهيك عن كونها علامة تُشير إلى جَهْل بالبيئة المجتمعيّة التي نعيش ونتحرك وسطها.
كذلك، وبالمقابل من تجَنُب التطرف؛ علينا أن لا نُفَرِّط بمبدأ أو أساسيات ما نؤمن به كحالةٍ لازمة من أجل بث روح التنوير وخلق آليات تفعيلها، والمتمثلة في أحد وجوهها بحقنا الثابت في إبداء آرائنا ومناقشة أفكارنا المغايرة وعرضها، ونشر ذلك كلّه كحقٍ لنا ينبغي الدفاع عنه دون هوادة أيضاً. وما أعنيه هنا يتعدّى نطاق النشر (كتب، مجلات، صحف، مواقع ألكترونيّة) ليشمل كافة مجالات حياتنا اليوميّة ودوائرها المتعددة من أحزاب، ونقابات، وروابط، واتحادات، ومؤسسات مجتمع مدني على تنوّعها. إذا تخلينا عن هذا الحق، وسط خوفنا من احتمالات رَجْع صداه المضاد لدى المختلفين عَنّا، إنما نكون، بذريعة مسايرة "ضرورات المرحلة" مثلاً قد حكمنا أنفسنا بـ "منطق" الانتهازيّة وخلعنا عن "مشروعنا" مشروعيته الكامنة في مطالبه. وكذلك، ولأنَّ الحلقات مترابطة بالضرورة، نكون قد أفشلنا حالة الحِراك المجتمعي المنشودة لِنُبقي الأمور على وضعها الآسن دون تغيير.
فأنا، حين قلتُ بأنَّ خوفي من الرقيب الاجتماعي في بيئة محافظة (وأزيدُ هنا صِفةَ النِفاق على شرائح منها) يفوق خوفي من الرقيب الحكومي، إنما قصدتُ لفت الانتباه إلى تعدد الرقابات في مجتمعاتنا، وعدم تعليق جميع "الخطايا" والمسؤوليات في إعاقة الحِراك الاجتماعي والثقافي وحتّى السياسي على السلطة السياسيّة وحدها. فالقمع وجوهه متعددة. فقمع السلطات السياسيّة باتَ تقليدياً معروفاً ومجرَباً يمكن تداركه، نوعاً ما، على خلفيّة تراكم التجربة. غير أنَّ "ذهنيّة القمع" المجتمعيّة، بسببٍ من الانغلاق في طبيعة كل ما/مَن هو محافظ، لأشد وطأة وتحتاج مِنّا وسائل تعامُل ووقاية لم نعتد عليها بعد.

2. ألم تسقط طيور عمّان بعد، تلك التي تحلّق منخفضة؟
طيور عمّان، اسوةً بطيور مُدن العالم، تحلّق عالياً وتحلّق منخفضةً تِبعاً لطبائع تكويناتها. البعض منها صقورٌ ونسورٌ وعقبان جوارح. والبعض الآخر عصافير وعنادل وحساسين تغّني. والبعض الثالث مفطورٌ على محاولة اكتساب الصفتين، لكنه مفضوحٌ زائف إذ لا هو هنا ولا هناك. مِن الجوارح مَن انخفضَ وانخفضَ بِوَهْمِ أنه "يصيدُ" فريسته؛ فإذ به "يُصاد" ويسقط فيكون "الفريسة" على نحوٍ مُهين. ومِن "المُغّنين" مَن تجاسرَ على الارتفاع، وهذا يُحْسَب له. أما الصنف الثالث، الذي يريد أن يربح دائماً وأن يكون في منتصف المسافة.. فلا حول ولا قوة!
للأسف؛ هذا الضرب الأخير هو "طير كل المناسبات" الملوَّن جداً! وهو "الشاطر"! لكنه يبقى، منذ البداية حتّى النهاية، الطير الساقط أبداً.

3. يقول سعدي يوسف "أسيرُ مع الجميع وخطوتي وحدي". إلياس فركوح يُحِّبُ هذه المقولة. إلياس فركوح يسير مع الجميع وخطوته وحده. هل هذه نخبوية اتجاه هذا الجميع؟
في عمليّة الكتابة لا يكون الواحدُ مِنّا إلاّ نفسه، لا شريك له خارجه، وحيداً، يسيرُ وفقاً لبوصلةٍ خاصة به، تخلَقَتْ في داخله عبر السنين وتراكُم التجربة. وأيضاً؛ في حالة الكتابة يجترحُ الواحدُ مِنّا لنفسه وبنفسه ضرباً من الحُريّة لا توجَد إلاّ في الساعات إيّاها: ساعات الكتابة حيث يكون "الانخراطُ" في هذا "الواحد" أكثر من انخراط، و"ولوج مناطق مُضاءة" أبلغ من الكلمات التي تصفها، و"انقسامات" الواحد إلى "مجموعة آخرين" متاهةً واكتشافاً في الوقت نفسه!
أمام البياض، ولكي نملأ مساحاته، لن يكون لنا سوى أن نغرفَ مِنّا لا من سوانا. الكتابةُ نحنُ. نحنُ بتلعثُم الذات الباحثة عَمّا يؤكدها ويُبرهنُ عليها، أو بتوثيق بطاقة الأحوال الشخصيّة برقمها الوطني، أو باندياحات طبقات المواجع المُزمنة، أو باسترداد الشهقات الآتية كأنما الزوابع من جوانب الروح والجسد، أو حتّى من ذلك كلّه عبر موشورٍ يستخلصُ ضوءاً خاصاً لا مَثيل له ولا شَبيه.
في الكتابة نخونُ الجميع إذا ما عملنا على أن نكونَهُم لأننا، ببساطة، لسنا هُم، بل أنفسنا.
ربما أكونُ أجبتُ عن سؤالكِ، وبحسبي. لكنه جوابٌ جزئيّ عَلَّهُ يسببُ التباساً، أو ارتياباً بأني أجعلُ عازلاً مُصْمِتاً بيني وبين الآخرين ـ الجميع. لذلك، سأسارع لأحددَ التالي: لأنني أسيرُ مع الجميع في حالات "المسيرة الاجتماعيّة العامة"، فإنَّ الانتسابَ لهم تنفي أي ضَرْبٍ من الغربة عنهم، كما تمحو أي نَزعةٍ لانتخاب الذات الاجتماعيّة وتمييزها وإبعادها. لا شيء من هذا يحصل. غير أنَّ ذلك كلّه لا يعني "الذوبان والتلاشي" في جَمْع هذا "الجميع". فالجَمْعُ يتفرَّقُ بعد وقتٍ يقصر أو يطول، ليعودَ الواحدُ إلى بيته بخُطاهُ الوحيدة. إنه يخطو/يمشي على قدميه، لا على اقدام سواه. أليس كذلك؟
وهنا سأسمحُ لنفسي بـ "تجسيم" المعنى و"تصويره": في لقطة فوتوغرافيّة بانوراميّة لِحَشدٍ هائل من الناس لا نرى سوى الحشد ـ المجموع ـ الكُتلة الكبيرة. لكننا حين نقتطع تفصيلاً من الصورة ونعملُ على تكبير التفصيلات التي كانت "ذائبة" قَبْلاً داخل الكُتلة؛ فلسوف نكتشفُ تبايناً واضحاً في "كيف" هو التعبير الخاص جداً لكل وجهٍ يُعلِنُ غَضَباً مشتركاً.. أو تأييداً.. أو احتجاجاً، إلخ. هكذا يَصيرُ للواحدِ أن يبقى هو هو دون أن يذوب، رغم كونه في قلب الكُتلة. باختصار: أن نكون مع الجميع لا يلغينا كأفراد نملكُ بصماتنا الخاصة.. والخاصة جداً.

4. رواية "قامات الزَبَد" اعتبرت من ضمن أفضل 100 رواية عربيّة. ماذا عن دار أزمنة. متى تُصَنَّف ضمن 100 أفضل دار نشر عربيّة؟
إذا ما بقيت الثقافة العربيّة على حال تدهورها، من دون انتفاضات جذريّة تتناول "مناطق العَصَب" المنخورة فيها، إضافةً إلى إدبار الفئات الأوسع في المجتمع عن التفاعل مع المُنْتَج الفكري؛ فإنَّ دُور النشر الجادة ستفقد أهميتها كونها فقدت دَورَها، أو لأنَّ هذا الدور تآكلَ تدريجيّاً. وبمعزلٍ عن وجود شرائح واسعة ومتعددة الاهتمامات والانشغالات، غير الخاضعة لشروط مجتمع الاستهلاك والإعلان الآخذة بِخِناقه والمُملية عليه قِيَمها الزائفة، فلا فُرصة لنمو دُور النشر ذات الهدف التنويري. هذا أمرٌ بديهي. فإذا كان الناشر يشكل حلقةً مهمةً في الحياة السوسيوـ ثقافيّة، فإنها تلك الرابطة بين مُنتِج الكِتاب والمستهلك له: بين الكاتب والقارىء. وعند التراجع المخيف في نسبة الاستهلاك/القراءة، تكون النتيجة المتمثلة في ضمور دُور النشر بمثابة تحصيل الحاصل.
ضمن هذا الواقع تتحرك دار أزمنة، معتمدةً على الرصيد المتبقي من القُرّاء المحترفين/المُدمنين (وهُم قِلَّة بالعموم)، آملةً أن تنمو وتتصاعد النسبة الخجولة من قُرّاء الأجيال الجديدة: قُرّاء الفئة العُمريّة التي تتحرك عند تخوم الأربعين. وبهذه المناسبة، أوّد تسجيل الملاحظة التاليّة ولَفْت الانتباه إليها: إنَّ الفئة القارئة الآن، في عمومها، هي نفسها الفئة الكاتبة! وما هو خارجٌ عنها مُضافٌ إليها لا يشكلُ سوقاً كبيرةً يُعَّولُ عليها. وهذا أمرٌ خطير: إنَّ مُنتِج الكتاب هو مستهلكه! كأنما الصوتُ يتغذّى على رَجْعِ صَداه!
في وضعٍ كهذا، كيف سيكون لدار أزمنة، أو لغيرها من دور النشر العربيّة التي على شاكلتها، أن تنمو وتتطور وتتسع في مجالات اختصاصاتها؟ كيف لها أن تطمح لتقفَ، بِنِديّة، إلى جانب أفضل دور النشر في العالم؟ فالطموح لا يكفي دون توفُر طاقة استيعاب كبيرة للكتب، وإلاّ: فالإفلاس والإحباط قابَ لحظتين أو أقل! 

5. ما مدى رغبتك كناشر في استقطاب الأقلام المغاربيّة؟ وهل أنتَ مطلع ومتابع جيد للساحة الثقافيّة المغاربيّة؟
أعتقد بأنَّ كل ناشر عربي، ولكي يحقق الصِفة الثانيّة فيه (عربي)، ينبغي عليه الالتفات إلى جميع الكُتّاب العرب، بصرف النظر عن بُعده أو قُربه الجغرافي منهم. ولاستيفاء هذا القول معناه من الداخل، أستدركُ بايضاح ما يلي: الكتاب العربي عربي لأنه مطبوع باللغة العربيّة: يَعرض نتاجات تأتت عن كُتّاب عرب: يتجِّه نحو قُرّاء/مستهلكين عرب من دونهم (جميعهم في كل مكان) لا يمكن له أن يصمد ويستمر، حتّى على الصعيد الاقتصادي. ناهيك عن الحاجة الأكثر من مُلِحّة لدى ملايين العرب للتعرُّف على نتاجات الشعوب والثقافات الأُخرى مترجمةً للغتهم ومنقولة إليهم.
نعم، رغبتي كناشر رغبة كبيرة في أن أزيد من استقطابي للأقلام المغاربيّة المبدعة في الكتابة والترجمة على السواء، إضافةً إلى الأصدقاء الذين نشرتُ لهم، مثل: مصطفى الكيلاني من تونس، ومن المغرب أحمد المديني، محمد صوف، محمد معتصم، محمود عبد الغني، رشيد بوكرامي، رشيد بوطيب، محمد المزديوي، الحبيب الدائم ربي، إدريس الملياني، وآخرين أعملُ على تنفيذ نتاجهم كالصديق صدوق نور الدين، منتظراً ما سوف يصلني من يحيى بن الوليد.. والتواصل متصل.
أنا لا أدّعي سوى الإحاطة المعقولة بمعطيات الثقافة المغاربيّة، مستشعراً حاجتي الدائمة للمزيد من التعرُّف عليها بالطبع.

6. قرأتُ في مقال للشاعر حسين جلعاد أنكَ ستتجه لكتابة السيرة. سؤالي: لماذا لم تتجه لها في بداية مشوارك ثم تعود لها فيما بعد وبهذا تكتشف وتتلذذ بالفرق بين ما كان وما سيكون؟
لَفَتَني في تركيب سؤالكِ اكتشاف الفرق بين ما كان وما سيكون، فيما لو عملَ الواحد مِنّا على كتابة مقاطع من سيرته في مرحلتين من عُمره تفصلهما مدة طويلة. جميلٌ أن يتأمل المرء حالةً كهذه وما سينتجُ عنها! غير أن ذلك لن يتصِّف "بالإثارة المعرفيّة" إنْ لم يتخذ كاتبُها الصِدقَ نهجاً ومسلكاً أخلاقيّاً ملتزماً بـ "ميثاق" السيرة الذاتيّة، والذي ينُصّ على ذلك باعتباره خطاباً يُعلِنُ منذ البداية عن هوية صاحبه الحقيقية، وأنه يقول الحقيقة.
على أية حال، لم يَقُلْ صديقي حسين جلعاد بأنني أتجه لكتابة السيرة؛ وإنما جاءَ ذِكر ما يشبه السيرة في سياق الحديث عن روايتي الأخيرة، قبل إنجازها ونشرها، "أرض اليمبوس"، وتصريحي له بأنها تتضمن أمشاجاً من السيرة تتخللها قد تكون صادمة للبعض. وكنتُ أقصدُ البعض المحافظ مِنّا!

7. ما مكانة الأدب الأردني وما مدى تواجده في الساحة الثقافيّة العربيّة؟
ثيراً ما سُئلتُ هذا السؤال، أردنيّاً وعربيّاً، وكنت لا أعثر سوى على الجواب التالي، رغم امتداد السنين، إلاّ ما طرأ مؤخراً من التفاتٍ نِسبيّ ملحوظ باتجاه هذا الأدب:
من جهة "مكانة" الأدب الأردني؛ فإنَّ الإجابة عن ذلك تستدعي تتبعاً للدراسات النقديّة المُعَمَقَة حقاً، وفي كافة الأجناس، التي تناولته ومدى ملاحقتها لمراحله المتصلة، وكيفيّة ربط هذه الدراسات له بسياقه الإبداعي العربي الأعرض. فأن يحتّل الأدب الأردني مكانةً في المشهد الإبداعي العربي إنما يتطلب إدراجه ضمن سياقه الطبيعي ـ العربي، وكجزء من بِنية تشتمل عليه مثلما تشتمل على الكتابات الأدبيّة العربيّة الأُخرى. أما تناوله مُقتَطَعاً، كأنما هو وليدٌ مجهول الأبويَن يسبحُ في فضاءٍ مُفْرَغ؛ فذلك لا يَنتج عنه سوى إلحاق الظُلم به، وكذلك: إلحاق النَقْص في الرؤيا، والتسبب في بَث "الفساد" داخل الخُلاصات المنتهيّة إليها تلك الدراسات. وما ينطبق على الأدب الأردني، من جهة دراسة "مكانته" وسط النسيج الأدبي العربي الأشمل، ينطبق أيضاً على كل أدب يُكتَب في كل قطر عربي إذا ما نُظِر إليه كجزء منفصل. وأنا حين أشير إلى "دراسات نقديّة معمقة" إنما أعني تلك المشغولة خارج أُطُر وانتظامات "الكتابات النقديّة!" السيّالة من دون قِوام أو تقويم في صفحات الثقافة للصحُف اليوميّة العربيّة: خارج "قانون" العلاقات العامة والخاصة، ومدى قُرب هذا من ذاك أو تلك، وحسابات الربح والخسارة، إلى آخر هذا المزيج التسويقي الرث والمفضوح ـ إلاّ مَن رَحَمَ ربي!
أما عن مدى تواجده في الساحة الثقافيّة العربيّة؛ فلقد طفقَ تواجده يُلْحَظ في السنوات القليلة الأخيرة، وبِدواعٍ ذات صِلة بقيمته الفنيّة الكامنة في داخله كنصٍّ أدبي ـ لا من خارجه، وكَم تبعثُ صفحاتُهُ من روائح وأصوات وصور فضائحيّة تداعبُ "الحرمان" لدى الذكور والإناث، تحت مقولة "تحرر المكبوت"، كتابةً وقراءةً على السواء!

8. حازت روايتك "قامات الزَبَد" على جائزة الدولة التشجيعيّة للعام 1990، وكذلك حصلتَ على جائزة الدولة التقديريّة/القصة القصيرة عام 1997. أيكما كان راضياً عن الآخر.. النظام الأردني الحاكم أم أنتَ؟ وهل يحدث أن تتندر على هاتين الجائزتين؟
يتضمن السؤال في تركيبه فَهْماً مبالغاً في سطوة النظام على كافة مناحي الحياة داخل النسيج الاجتماعي، بما فيه المنحى الثقافي. ولعلَّ طبيعة النظام الأردني المستند إلى المَلَكيّة مرجعيّةً أُولى، بعيداً عن أيدولوجيا صارخة، أو مُغلَقَة، تؤطِّرُ الخِطابَ وتحددُ وجوباته المفروضة على حياة الأفراد بُغية صياغتهم أو "إعادة تأهيلهم" وفقاً لمجتمعٍ مُتَخَيَّل، قد ساهمت في "لا تشدده" حيال جُملة أنشطة، بما فيها الفعل الثقافي، ما دامت لا تشكَِّلُ خطراً أمنياً. الجانب الأمني هو الهاجس الأساس، وما عداه يمكن التعاطي معه بقدرٍ معقول من التسامُح، أو التساهُل إنْ شِئنا التوصيف.
أما عن مسألة الرِضا وأينّا كان راضياً عن الآخر؛ فلستُ متأكداً من رِضاه عَنّي حين نِلتُ جائزة الدولة التشجيعيّة. غير أني أعتقد بأنَّ حالة الجماهير في الشارع الأردني حينذاك، وانحيازها للعراق في مسألة اجتياحه للكويت على وَقْع التهديدات الأميركيّة وحُلفائها بِشَّن الحرب عليه، على نحو لم يتعارض مع موقف النظام الداعي للحل التفاوضي، والذي عمل قَبلها على إلغاء الأحكام العُرْفيّة وإعادة المشروعيّة القانونيّة لرابطة الكُتّاب الأردنيين التي حُظِرَت لمدة سنوات: كل ذلك، وبتولي خالد الكركي الذي كان رئيساً للرابطة سنة "إغلاقها بالشمع الأحمر" لوزارة الثقافة، جَعَلَت مني ومن نَيلي للجائزة حالةً مفهومة لم يلتبس معناها عند أي من المراقبين بشتّى انتماءاتهم. وكذلك فيما يتعلق بجائزة الدولة التقديريّة؛ إذ مضت سَبعُ سنوات تأقلَمَ خلالها النظام بنسبةٍ ما مع طروحاته حول الانفتاح على التيارات السياسيّة عاملاً على نزع التوتر القديم بقدر الإمكان، متخذاً موقف الحِياد في المسألة الثقافيّة. هكذا ببساطة. والآن، قبل أقل من شهرين، عندما مُنِحَ غالب هلسا جائزة الدولة التقديريّة؛ هل نُعيد السؤال عن: مَن هو راضٍ عن الآخر؟
هل يحدث أن أتندّر على الجائزتين؟
سأجيبكِ ومن زاوية ربما تبدو غريبة: لقد نسيتُ أني حِزتُ عليهما، أو إنها بالأحرى حالةٌ لا تُقيمُ طويلاً في ذاكرتي لكنها تباغتني، بمناسبةٍ كهذه أو أُخرى كاستكمال لنقاط السيرة الأدبيّة، فتزيدني عِناداً لأكون أكبر من جميع الجوائز، بصرف النظر عن الجهة المانحة. فأنا من أولئكَ المؤمنين بأنَّ الجائزة تكتسبُ قيمتها من قيمة الحائز عليها ونَصّه الفائز.. وليس العكس. وربما من هنا تحديداً يحدث التندُّر لديّ: التندُّر على "صِنْف" الساعين بشهوةٍ مفرطة للحصول على جائزة، أي جائزة، ظَناً منهم أنهم يسترون بها عُقدةَ نَقْصٍ مزمنة. فكَم من جائزة فقَدت "هيبتها" لأنَّ الفائزين بها يفتقدون القيمة الأدبيّة البائنة في النتاج المقروء والمُباح لِمَن يريد أن يَعرف!

9. الكتابة ليست بطولة، أليس كذلك؟ ما هي الكتابة بالنسبة لكَ إلياس؟
الكتابة، كما هي الحياة، تتضمن بطولةً ما مثلما تحفلُ بالابتذال، والارتهان، والخنوع؛ والزيف، والتزييف، والشَرَف، و"قِلَّة الأدب"، والصِدق، والإدّعاء، والكذب الأبيض، والخديعة السوداء، إلخ. هكذا هي الكتابة كما أُعاينها في المكتوب من نصوص العالم الكثيرة، وهي بذلك لا تتنافر مع مألوف الحياة خارجها. غير أنَّ السؤال يبقى، بالنسبة لي: كيف تكون في الكتابة يا هذا؟ وأيضاً: مَن أنتَ حين الكتابة يا أنا؟
فأنا، عند الكتابة أو بالأحرى عند دخولي في ما بعد سطورها الأولى، أكونُ كَمَن يتخلّى تدريجياً عن لبوساته الواجبة عليه في تعامله مع "الخارج" وفقاً للدوائر الاجتماعيّة التي يتعامل مع أُناسها(وهي كثيرة على أية حال) مضطراً أو باختياره، ليصبحَ هو هو: ليكونَ متخففاً من جُملة "أثقال" تُلزِمه بأن "يُنْقِصَ" من ماهيته: لِيُكمِلَ ما لم يكن يحتاج لأن يُظهره خارجها. متطلبات الكتابة، كما أعيش الكتابة، تُملي عليَّ أن أكون حُرّاً متحرراً من لزومات أعراف "الواجب" و"مِن المُستَحسَن" و"مُراعاة الخواطر" و"ليس من داعٍ لجرح مشاعر البسطاء والطيبين"، إلخ. باختصار: أن أكتبَ هو أن أتحررَ من كل ما يُقيّد اكتمالي. أن لا أرضى بأن أكون منقوصاً. أن لا يكون "في فَمي ماء" يَحولُ بيني وقَوْل ما أريد قوله.
أهي الحرية؟ نعم ـ بمعنىً ما. أهو الاكتمال؟ نعم ـ بمعنىً ما. أهي البطولة؟ نعم ـ بمعنىً ما، ذلك لأنني في الكتابة أعملُ لأن أكون "أنا" كما أنا، لا أُجاملُ الخرابَ ولا أُجاملُ حتّى نفسي، مدركاً أنَّ ما أكتبه مُعَرَّضٌ لأن يُقرأ بعيونٍ مقلوبة، وهذا، في ذاته، بطولة ما. أليس كذلك؟ أو عَلّها تكون الحماقة بعيَنها!

10. روايتك السيرية الجديدة، هل تُرضي فضول المتلقي المُحبّ لمعرفة سر من أسرار الكاتب أو فضائحيّة ما؟
 مَن يَبحث عن أسرار خبيئة تفضحها الرواية الأخيرة سينتهي من قراءتها خالي الوفاض من أي مكسبٍ على هذا الصعيد. صحيح إني عملتُ على "استثمار" محطات من سيرتي في بنائي للرواية ـ وبالتالي بَدَت الشخصية الكاتبة داخلها كأنها هي هي شخصية المؤلف/الروائي/إلياس؛ إلاّ أنَّ ما كَشَفَت عنه الرواية ـ إنْ اتسمَ بفضيحةٍ ما بمعنىً ما ـ فإنما هي فضيحتنا جميعاً: نحن أفراد مجتمعات مكسورة من الداخل ومن الخارج. مجتمعات مكبوتة وكابتة في الوقت نفسه. مقموعة وقامعة ضمن متوالية جهنميّة. وفي النتيجة: نحن مجتمعات هزمت نفسها بنفسها أسيرة التخلُّف، ببناها العشائريّة القَبَليّة، وفوضاها الفكريّة، وأنظمتها السياسية الحاكمة، وتشكيلاتها الحزبيّة المعارضة، وكُتُب ومناهج ومقررات مدارسها، و"ديكورات" صروحها الأكاديميّة ـ أما الفساد كنمط حياة فحَدِّث ولا حَرَج. ثُم، ولكي تُخلي ذِمتها الآثمة من كل هذا "الدم والخراب"، باتَ الاستعمار، والامبرياليّة، والصهيونيّة، والكُفّار، والعَمالة للأجنبي، والعولمة، والأفكار "المستوردة"!، والغزو الثقافي ـ وربما الحداثة وما بعدها، والبنيوية والتفكيك ـ؛ باتَ ذلك كلّه هو المسؤول عن تفكيك وهدم "عَظَمتنا" والتسبب بهزيمتنا الكبرى المتمثلة في أننا نركضُ بلهفةٍ عجيبة لنخرج من التاريخ!  
أي أسرار وأية فضيحة؟
الأسرار مُعْلَنَة والفضيحةُ نحنُ. 

11. هل حقاً انعتقتَ من الهمّ الذي سَيَّرَ قصصك الأولى؟ وأجنحتكَ.. شاخت، أم تكسّرَت، أم تغيّر لونها؟
الهَمّ الأوّل، في جوهره، لم يتغيّر بحسب ما أعتقد. بقي على حاله مُنْصَّباً على "أزمة" الفرد داخل مجتمع يخضع لشروط الإقصاء والعَزْل ويُعيد إنتاجها، بدوره، وفق أشكال وصِيَغ تنسحب مؤثرةً في طبيعة العلاقات. هي أشكال وصِيَغ يتم تداولها عبر بانوراما المجتمع بعمومه، وكذلك خلال التعامل اليومي بين أفراده. وإني أقول هذا مدركاً أنَّ عدداً ليس هَيّناً من القصص لم يُكْتَب بوعيٍ عالٍ ومُسْبَق على هذه الأزمة، وإنما هنالك قراءة لها تُفصِحُ عنها حين التمعُّن فيها. وبالطبع، طالَ القصصَ التالية والمتواليّة تحوّلٌ في بناها بناءً على تحوّلٍ في الرؤيا إلى التفاصيل الحياتيّة وكيفيّة كتابتها. غير أنَّ ذلك كلّه لا يمنعني من الإفصاح عن "حَنينٍ ما" يقبعُ، غالباً، وراء تلك الكتابة.
تسألينني عن أجنحتي بعد مُضي كل تلك السنين؟
لقد شاخَ الجسد بالطبع وضعفت عوامل مقاومته للمرض والوَهَن الزاحف. لكنَّ أجنحة الكتابة (كرديفٍ لإرادة الحياة) والحيوية الدافعة لي لأن أكتب لم تتكسّر ولم تجبرني على حَرْف مسار الطيران. الأجنحة لم تتغيّر في تحليقها باتجاه "الإنسان في الجوهر"، وآمل أن لا تتغيّر أبداً. أما عن اللون المتغيِّر؛ فذلك إنْ حدثَ فلن يكون سوى إحدى نتائج التجربة وخبراتها بِبُعديَها: الحياتي/المعيشي، والأدبي/الكتابي ـ وهو حَسَنٌ كما أراه.
حين تُطيلين من مدة تخزين النبيذ في الأقبيّة المناسبة إنما تُعلين من شأنه ومن مذاقه. أليس كذلك؟ لماذا لا يكون الإنسان مِنّا كالنبيذ؛ كلّما تَعَتَّقَ ازدادت "حلاوته"؟! أم هي "حِكمةُ العَزاء"؟ عَلَّها كذلك في أحد وجوه الحياة.

12. أنتَ تخشى إنشاء مؤسسة رسميّة تُعنى بالترجمة وذلك مخافة السقوط في مطب حساب التوازنات الصغيرة. ما الحل، ولِمَ لا تنتظر الخطوة الأولى وبعدها تقرر صِغَر التوازنات، كبرها أو اختلالها؟
غالباً ما أجدني أخشى على المشاريع الثقافيّة الكبيرة (مؤسسة للترجمة، مثلاً) حين تتولاها جِهاتٌ عربيّة رسميّة، لأنَّ التعيينات/المناصب/المواقع داخلها لا تخضع، غالباً أيضاً، لشرط الكفاءة والخبرة. وتأسيساً على هذا، لن تتحلّى القرارات الناتجة عن هكذا مسؤولين بموضوعيّة معرفيّة، حتّى وإنْ وجدنا نزاهةً ما عند البعض منهم ـ ناهيك عن "الحسابات الصغيرة والكبيرة" الواجب أخذها بالاعتبار؛ إذ نحن حيال شبكة مصالح وعلاقات خاصة وعامة للمسؤولين خارج مواقعهم هي التي جعلتهم يحتلونها، لها مفاعيلها السلبيّة بالضرورة والتجربة المُعايَنَة على المشروع المُنَزَّه عن ذلك كلّه. المسألة الثقافيّة لا تحتمل تلك الحسابات إذ تمتلك معاييرها المنافية، في الأصل، لجميع ضروب ما يمكن تسميته بـ "الفساد والمحسوبيّة"!
المشاريع الثقافيّة الكبيرة تحتاج إلى مثقفين كِبار ـ وليس من مثقف كبير يَرضى أن يخضع لأي ابتزاز يصيبه كشخص، ويصيب مشروعه الثقافي. ففي ذلك إهانة للإثنين ـ وإهانة للمجتمع المتلقي ـ وإهانة للثقافة كمفهوم لا يرضى بأي مساومة.

13. إلياس، تختار الانفجار أم الثقافة؟
الثقافة أحد ضروب الانفجار (انفجار بمعنىً ما)، وعَلَّها الانفجارُ الأسمى للشهادة الباقية، لأنها المكتوبة بصدق ماهيّة كاتبها: بحقيقة ما رآه ـ حتّى وإنْ كانت رؤيته ناقصة أو غير دقيقة. فأن أكتب مملوءاً بشحنة وحيوية الحصيلة الثقافيّة التي أملك لهو فِعْلُ انفجار حيال هَمٍّ من همومي وهموم مجتمعي بالتالي (أسير مع الجميع) : لهو نَصٌّ يَشهدُ على جزءٍ من عالَمٍ يتفجّر يومياً فيمزّق الانسانَ ليجعله سِلعةً، أو ذَبيحةً بلا ثمن. ليجعله شِلْواً مُدمىً يُرمى على الطرقات!
هل ننفجر فننتحر بلا طائل، أم نكتب تفجراتنا فننجو من الشيطان داخلنا؟

14. "النهر ليس هو النهر"، هل إلياس فركوح هو إلياس فركوح؟
كثيراً ما أُصادِف أُناساً يصافحونني بحميميّة وحرارة تؤكدان على معرفة حقيقية بي، لكنهم "غُرباء" عَني لا أعرفهم! يسألونني عن أحوالي باسمي الصريح بعفوية وعادية مَن أمضوا معي سهرة الأمس بطولها، مثلاً. أو كإثنين غابا عن بعضهما فترةً قصيرة، ثم ها هُما يلتقيان ليعاودا مسيرة الصداقة. لكنني نادراً ما كنتُ أتذكرهم أو أتعرّف على أحدهم. أُصاب بالحَرَج والارتباك، رغم محاولتي التحايل بمفردات الكلام العمومي الذي يعني ولا يعني. هُم يعرفونني وأنا أجهلُ هوياتهم، كيف؟! ويكون معظمهم من زملاء الدراسة الثانويّة.. أو حتّى ما قبلها! فلا يكون مني سوى تقريع نفسي أمامهم متعللاً بالذاكرة المخرومة والخَرَف المبكِّر.
أتساءل: هل "أنا" الآن حقاً هو الشخص الذي "كان" زميلاً لهم "يعرفونه" قبل ثلاثين سنة وأكثر؟ وأُجيب: لا، لستُ أنا ذاك الشخص. ونعم، لا زلتُ أنا ذاك الشخص.
لستُ ذاك الذي جَرَّبَ العثور على أجوبة أسئلته عنه وعن العالم، فما كان له إلاّ أن حصدَ حُزَماً  من القَشّ، ومن الزؤان، ومن سنابل مثقلة بحَبّات القمح أيضاً. في داخلي رُسِمَتْ خرائط للحياة جديدة، كانت تعديلاً لأُخرى قبلها، وربما يصيبها التغيير في أي يومٍ قد يكون غداً وعلى بُعد ساعات. لم يَعُد إلياس فركوح مَن كان سابقاً؛ إذ جَرَت في عُمق حياته مياهٌ كثيرة أزاحَت وجَرَفَت منه مثلما أضافت وسَكَبَت إليه وفيه. تماماً كالنهر عند هرقليطس الذي لا يمكن لنا أن نَدّعي أنه هو ذاته النهر الذي عبرناه مرةً أو أكثر من قبل؛ إذ جرت فيه مياهٌ كثيرة هو الآخر غيّرَت من تضاريس ضفافه مثلما قامت بقلب قيعانه رأساً على عقب.
ولكن، وفي الوقت نفسه، ثمة ما لم يُصَبْ في إلياس فركوح بأي تغيير أساسي؛ ألاْ وهو جوهره المُحِبّ للآخَر من دون إدّعاء. ولعلَّ جُملة ما حدث له عبر السنين إنما زاده وثوقاً بأنَّ الحياة، مهما اتسَعَت، أضيقُ من أن يحتمل العُمْرُ وقتاً نضيّعه بالكراهيّة والبُغض ومناكفة غيرنا من غير طائل. وأنَّ العُمْرَ، مهما ضاقَ، أوَسَع من أن نعاينه وأن نرصده من ثُقب إبرة أو باب صغير ـ أوسع من مراقبته من أي ثُقبٍ؛ إذ هو الحياةُ بمجملها وقد تكثفت فينا. كما هو العالمُ باتساعه وقد تواضَعَ ليكونَ في كل ذاتٍ مِنّا. 
أيُّ معادلات كَوْنيّة يحملها الانسانُ في داخله؟ أيُّ معادلات يتحمل مسؤوليّة إبقائها على توازنها فيتوازنُ هو، أو يُخِّلُ بها فيتهاوى هو ويعتكرُ العالم؟ في قلب هذه الحالة يعيش إلياس فركوح، وعليه أن ينجو بجوهره لائذاً به.

15. ماذا بعد "أرض اليمبوس"؟ ولِمَ اخترتَ هذا العنوان تحديداً؟
بعد "أرض اليمبوس"، على صعيد الرواية، ثمة أراضٍ أُخرى لم أصل إلى نقطة محاذاتها بما يكفي لأن أشرعَ بدخولها والكتابة فيها، وعليها، وليس عنها بالتأكيد. أما عمّا سيكون بعدها على صعيد كتب غير روائيّة؛ فكتابٌ أسميته "نساءٌ وأكثر: السيرةُ تكشفُ، والحوارُ يقول" يتضمن ترجمةً لـ 12 سيرة وحوار لـ 12 كاتبة من العالم، أعتقد بأنه سيشكل إضافة معرفيّة عن أسماء وتفكرات جديرة بالاطلاع عليها. وترجمة لديوان بعنوان "الجزيرة العائمة" لشاعر أميركي من أصل كوبي يُدعى بابلو ميدينا، يُقرأ لأوّل مرة بالعربيّة. إضافةً إلى عملي على إعادة طباعة ونشر الروايتين السابقتين؛ إذ نفدتا منذ سنوات.
لماذا اخترتُ "أرض اليمبوس" بالتحديد عنواناً للرواية الأخيرة؟ ببساطة: لأنَّ "اليمبوس" تحديداً هي الأرض الوحيدة التي تحتمل أسئلتي وحيرتي وتوقي لأن أكون أنا بـ "كامل نَقصي" ـ إذ ليست هي الجحيم كما انها ليست الجَنَّة.

16. صدرت روايتك الأخيرة عن دار أزمنة. هل كل الكتب القادمة لن تصدر إلاّ عن أزمنة؟
"أزمنة" هي داري بمعنى "بيتي ـ منزلي" أيضاً. فيها أمارسُ حريةً ما لا تناسبُ دور نشرٍ غيرها. وكذلك؛ هنالك ما يشبه الارتباك أعيشه كناشرٍ هو كاتبٌ في الوقت نفسه. وغالباً ما أُلاقي في تعاملي مع زملاء لي في النشر، ككاتبٍ يريد أن ينشر عملاً له، ردوداً تتلخص في :"لماذا؟ وماذا عن دار نشرك؟ أوليست أَوْلى بكتابك؟" ـ فأرْتدُّ إلى داري ـ بيتي ـ منزلي لأمارس "أزمنتي" متحرراً من أي سؤال. ومع ذلك، صدرت "أرض اليمبوس" في طبعتها الأولى (الحاليّة) بالاشتراك مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. كما نشرتُ بداية هذا العام "النهر ليس هو النهر" المتضمن لمجموعة مختارة من المقالات الثقافية عن دار الشروق في عمّان.
أما أين سأنشر نتاج ما بعد الكتابين الجديدين المترجمين؛ فسأدع جواب ذلك رهناً بظرف زمنه.

17. ولد إلياس جورج باسيل فركوح سنة 1948.. هل ولد أم ادّعى الولادة وحسب؟
على الصعيد الفسيولوجي ـ النشوئي ـ الصرخة الأولى؛ ولدتُ حقاً سنة 1948. لكنني، على مستوى إدراكي لوجود هذه الذات المُسمّاة إلياس جورج باسيل فركوح، وللوجود الكُليّ من حولها؛ فأرى أنني أُولدُ في كل لحظة ما دمتُ أحياها فعلاً. فأنْ يلتقطَ المرءُ إدراكاً كاشفاً مُنيراً بأنَّ "لحظته القادمة" قد لا تجيء لأنها مرهونة للفناء؛ فإنَّ تثمينه لبقائه "هذه اللحظة" سيكون هائلاً. كأنما يكمن هنا جوهر المعنى حين نقول لأنفسنا ولبعضنا : فلنحيا حياتنا. إنها مذهلة في جَمالها.. رغم كل الانهيارات البشرية! وأنهار الدم المظلوم! وحرائق الحروب الحمقاء! وصَخَب الاقتتال الغبي! وبشاعات الوجوه التي تحتلُ حياتنا في كل لحظة تقتحم فيها بيوتنا في ما تبثّه فضائيات التدجين والتهليس والهلوسة والتدليس والتذاكي المفضوح في جهله وتجهيله عبر موجات من الفتاوى الجاهليّة لغاية تدنيس الطاهر فينا بدعوى درء الدَنس عن حُرماتنا بحرماننا من حرياتنا في أن نكون مختلفين التزاماً منا بقانون الخلق الذي ينصُّ على أنَّ غِنانا يكمن في تعددنا لا في ضغطنا داخل "فورمة" الحذاء الصيني!
رغم طوفان "الكلام البذيء الواطي" الذي يُغرقوننا في صخبه الناشز والهائج، ثمة "كتابة تتحلّى بتهذيب وهدوء" تُسلِسُ للروح سريانها المخلوق والخَلاّق، وبذلك نؤكدُ لـ "جميعهم وجَمعهم" بأننا سنستمرُ بالولادة النظيفة، وإنْ كَرِه هؤلاء الكارهون الذين لا يعرفون من الحياة سوى امتهان الكراهيّة. 

18. أحب أن أعرف رأيك بالجيل الجديد من الكتّاب العرب؟
ليس سهلاً أن نشكّل وجهة نظر واثقة في كتابات الجيل الجديد من الكتّاب العرب، إذ ليس ميسوراً للواحد منا الإلمام الكافي بهذه الكتابات. فالصعوبة تتمثل غالباً في وفرة الكتابات وتوزعها على عدد من المنابر والمواقع عَصيّة على الحصر والمتابعة. كما ليس باستطاعتي أنا شخصياً توفير الوقت الواجب لقراءة هادئة تستحقها هذه الكتابات، اللهم ما أصادفه هنا أو هناك، أو ما يصلني منها لغاية النشر. غير أن ذلك لا يَحول دون تلّمسي لبعض السمات تشترك بها هذه الكتابات، أبرزها الانغماسُ في شؤون الذات المتوحدة والدائرة في فلك علاقة مختَلّة هي العالم، أو بديل العالم! عالم معزول كأنما يختزلُ في داخله المحدود والواحد كُليّة العالم الوسيع! إنَّ مفردات الأشياء الصغيرة وتأثيث النصوص بها بقدر ما تُشعرنا بحميميّة وصِدق الكتابة، فإنها تصيبنا، في الوقت نفسه، ولتكرارها وعدم التنويع عليها، بالإشباع وحتّى الاختناق. من هنا تنبع خِشيتي من قِصَر النَفَس فيها ـ وفي هذا تعميمٌ أعرفُ أنه يجانبُ صوابَ وجود حالات كثيرة لا بُدّ خارجة عليه بالطبع.
غير أنَّ السمة الايجابيّة في هذه الكتابات تتلخص في صِدقها الناتج عن انتفاء الادّعاء، وعدم اصطناع العلاقة اللاصقة بالقضايا الكبرى، والهروب من شراك خطابات الالتزام، واجتناب الزعم الصارخ بمناصرة المسائل النبيلة، والخلاص من وهم تغيير العالم بعيداً عن الرسم المُسبَق لِنَصٍّ ينبغي أن يحتوي الفكرة المعلوكة ألف مرّة؛ إلخ. والصِدقُ، في طبيعته وسياقه المنطقي، سيجلبُ للنصِّ صراحةً وانفتاحاً على الذات ما كانت مقروءة بهذا القدر في السابق.

19. أنا أرى أن كل كاتب باختلاف جنسيته هو كاتب عالمي، فهل كل كاتب عالمي وأجنبي هو كاتب عربي؟
أتفقُ معكِ في كون كل كاتب، بصرف النظر عن جنسيته، هو عالمي: بمعنى انتسابه للإنسان في العالم وأشواقه باتجاه الجمال، والخير، والسعادة، والحُبّ، والعدالة، والمساواة، والصداقة، إلخ. فثمة ما هو مشتَرَك يَجمع في إطاره الانساني الشامل كل كُتّاب العالم على نحوٍ أكيد، وعلى مستوى المبدأ. وهو حين يشكّل جامعاً لهم يتحوّل لأن يكون موضع إجماع في الوقت نفسه، ومن ثَم يبرز كقاعدة عامة يتمايزُ عليها كل كاتب بشخصه وشخصيته الفنيّة.
غير أن هذا لا يعني المصادقة على الجزء الاستنتاجي ؛ إذ لا يمكن لكل كاتب أجنبي أن يكون كاتباً عربياًـ تماماً كاستحالة أن يكون كل كاتب عربي هو ألماني، أو نيجيري، أو برازيلي مثلاُ. فالكتابة، عموماً، تنهلُ من ثقافة/حضارة ذات طبقات وتجليات توسِمُ نصوصها بميسمها لتكون خاصّةً، رغم المشتَرَك الانساني الشامل. فكما تشكّل المجتمعات ثقافاتها وبالتالي تفرز نصوصها؛ فإنَّ هذه الثقافات والنصوص تولد لتكون تعبيراً عن هذه المجتمعات دون غيرها بالضرورة. وهي، في ذلك وعلى هذا المستوى من التحليل، ليست منغلقة على ذاتها بقدر ما هي متفحصّة لخصوصيّة مجتمعاتها وبالتالي خصوصيّة التفاصيل لمشكلاتها وقضاياها، بحيث لا يقع الالتباس في كون حارات نجيب محفوظ هي أزقة نيويورك! أو براري جورج أمادو هي صحارى ليبيا! أو أشقياء طنجة هم صعاليك شتاينبك!
الكاتبُ عالميٌ في انفتاحه على الآخرين وتقبله للاختلافات في ثقافاتهم. لكنه طالعٌ من خصوصيّة خاصّة تلتقي مع خصوصيات غيره في حالة تعارُف، وتفاهم، وقبول.

20. لمن يتمنى أن يطبع وينشر إلياس فركوح؟
أتمنّى أن أطبع وأنشر كل نَصٍّ يجبرني على إطلاق صيحة الإعجاب المندهشة بجماله وتميّزه، ويعمل على توليد "الغيرة" منه، والحسرة لأنني لستُ كاتبه ـ بصرف النظر عن الاسم الحامل له. صَدّقيني؛ أنا لا يذهلني الاسم الكبير فيعميني. وربما هذا هو سبب اختلاف "أزمنة" : أنَّ صاحبها يَميلُ للمدهش في النَصّ، ولا يَحفَل كثيراً بما يجنيه من أرباح بسبب الأسماء الكبيرة.. أو ما يتكدّس لديه من خسارات.

21. هل من سؤال أخير أوجهه لك.. توجهه لي.. توجهه لأحدٍ ما؟
سؤال وددتُ توجيهه لي، فأعيده إليكِ لتجيبي عنه، ليكون برسم كل واحد توّرطَ في قراءة هذا الحوار الطويل :
ماذا يبقى من الكاتب إذا ما ربحَ العالمَ بأسره، وخسرَ نفسه بكتابةٍ هي سواه وليست هو؟

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh