Document Title
19/11/2017
 الصفحة الرئيسية
 السيرة الذاتية
 الحوارات
 المقالات
 الترجمات
 الإصدارات
      -الروايات
      -القصص القصيرة
      -المقالات
      -الشهادات
      -النصوص
      -الترجمات
      -الحوارات
  كتب عن الإصدارات
  العنوان

Elias Farkouh
P.O. Box 950252
Amman, Jordan 11195
Telephone:
Telefax: 962+6+5522544
Mobile: 962+79+5620807
Email:
Elias Farkouh

 
2008/03/07،
الروائي إلياس فركوح:التواضُع ليس مقبولاً في الفن - ملحق الرأي الثقافي
 
الروائي إلياس فركوح:التواضُع ليس مقبولاً في الفن



أرض اليمبوس تفوز بجائزة السبول بعد اختيارها في القائمة المصغّرة ل بوكر العربية


يرى الروائي الأردني إلياس فركوح في فوز روايته أرض اليمبوس بجائزة تيسير السبول للرواية التي تمنحها رابطة الكتاب الأردنيين، تجديدَ اعترافٍ بحصيلة جهده الروائي السابق، وإشارةً إلى جدوى الكتابة كما يفهمها، خلال حِراكها في بيئة اجتماعيّة أدارت ظهرها للثقافة وللمثقفين منذ زمن.
ويؤكد فركوح أن وصول الرواية نفسها إلى القائمة المصغرة لجائزة بوكر العربية، يعني حضوراً ينبغي أن يتواصل للإبداع المُنْجَز في الأردن، حافراً في خريطة الواقع الثقافي العربي والعالمي أيضاً .
تالياً حوار مع فركوح حول روايته المرشحة للفوز بالجائزة الأولى ل بوكر العربية، إذ يجري الإعلان عن الرواية الفائزة خلال حفل خاص يقام في 10 آذار.

 


؟ حققت روايتك الثالثة أرض اليمبوس حضوراً لافتاً جداً، خصوصاً وأنها حازت على جائزتين. كيف تشعر إزاء الرواية الآن؟
- أعدّ نفسي من فئة الكُتّاب الذين حين ينشرون عملاً جديداً، وبعد انقضاء أيام النشوة فور صدوره من المطبعة، سرعان ما تفترُ حماستهم تجاهه بعد وقتٍ قصير، ليبدأوا التفكير بالعمل المقبل. ما هو؟ كيف سيكون؟ ولو على سبيل التكهُّن العارف أنَّ أي جوابٍ لن يحيط بمفاجآت الكتابة لَمّا تحدثُ على الورق.
غير أنَّ أرض اليمبوس ، وخلافاً للأعمال السابقة، عملت على إيقاف تفكيري بالمشروع الجديد -أو بالأحرى أربكتني وأجَّلَت ملاحقتي له- وذلك نتيجة الاهتمام والمتابعة الاستثنائيين. لقيت الرواية حفاوةً لم أكن أتوقعها بصراحة، داخل الأردن وفي الخارج، رغم إدراكي أنها شكّلت حَفْراً وتحوّلاً ومغايرةً في كل من بنيتها، ولغتها، وتضمنها لأسئلة الكتابة الخاصّة بالرواية الحديثة. ولأكُنْ أكثر صراحةً: لأنَّ ما يشبه الجفاء النقدي الذي قوبلت به الرواية السابقة، أعمدة الغبار ، وبحجّة صعوبتها، هو ما حال بيني وتوقُّع الانفتاح على أرض اليمبوس بهذا التفهُّم والفحص والقراءات الذكيّة المحترمة لها كعملٍ يتطلب بذل الجهد المقابل، وبالتالي التقدير. فأين كان يختفي ذلك كلّه؟ أكان الخلل (سأسمح لنفسي باستخدام هذه المفردة) في الرواية والأعمال السابقة الأخيرة، أم في الوَسَط الثقافي الكسول المُقْبِل على الأعمال السهلة التي تُقرأ بسرعة، والابتعاد بالتالي عن أعمالٍ يراها صعبة فيكتفي بما هو شائعٌ عنها دون تكبُّد عَناء قراءتها؟!
أعدّ أرض اليمبوس رواية محظوظة، بمعنى تراكُب جُملة عوامل لا يمكنني تحديدها بدقة، أدّت للالتفات الجاد إليها، وبالتالي كشف ما تحمل من قيمةٍ تخصّها. وكذلك، وبسبب هذا، أعدّ نفسي محظوظاً بها.
؟ حصول روايتك نفسها على جائزة تيسير السبول للرواية عن العام 2007 التي تمنحها رابطة الكتّاب الأردنيين -وهو رائد الرواية الأردنيّة الحديثة في روايته أنتَ منذ اليوم - ماذا يعني لك؟ وأنتَ الحائز عدداً من الجوائز، منها جائزة الدولة التقديرية- حقل القصة القصيرة، وجائزة الدولة التشجيعية للرواية؟
- أفرحني ذلك وعددته تأكيداً إضافياً لخصوصية الرواية. غير أن الحصول على جائزة جديدة، بقدر ما يعني في جوهره تقديراً مُعْلَناً للإنجاز الكتابي الفائز بها؛ فإنه يشكِّلُ لي على الصعيد الشخصي تحفيزاً وحَثّاً لمواصلة مسيرة الكتابة التي بدأت قبل ثلاثين سنة. كأنما الجائزة تجديدُ اعترافٍ بحصيلة الجهد السابق، وكذلك هي إشارةٌ إلى جدوى الكتابة كما أفهمها، وعلى نحوي الخاص، خلال حِراكها في بيئة اجتماعيّة أدارت ظهرها للثقافة وللمثقفين منذ زمن، للأسف. الجائزة تشير إلى معنىً باتَ غائباً، أو مَنسيّاً، أو مشكوكاً به وسط مجتمع تفسَّخَت منظومة قيمه السابقة، وأحلَّ محلها تبجيله العالي لمعنى الاستهلاك، والسلعة، والمال. وكل ذلك كان على حساب الإنسان الفرد في جوهره الرافض لأن ينمسخ فيتحوّل هو نفسه إلى سلعة قيد الشراء!
الجائزة تَدلُّ على حصيلة تلك المعاني. كما أنها نقلة تتحدّاني في كتابتي المقبلة.
؟ وصول الرواية نفسها للفوز بجائزة البوكر العربيّة من بين ست روايات عربيّة، ماذا يعني لك كروائي أردني؟
- هي مكافأة للجهد الفردي، والاجتهاد الشخصي، والمثابرة وعدم ترك الذات لأن تسقط في اليأس نتيجة الإهمال العام والخاص الذي نلقاه، نحن الكتّاب في الأردن، إنْ كان ذلك داخل النسيج الاجتماعي بعمومه، أو من قِبَل الحكومات المتواليّة بعمومها. فالثقافة ليست من مشاغلها، وعلّها خارج تفكيرها وحسبانها. في الواقع، نحن ننحت في الصخر! فأن تندرج رواية لكاتب أردني، في هذا التوقيت تحديداً، ضمن أفضل ست روايات عربيّة، فأمرٌ أحّبُ أن أنظر إليه كَرّد اعتبارٍ للثقافة الغائبة أصلاً وكُليّاً عن برنامج حكومتنا الجديدة! كُتّابنا غائبون عن ذاكرة حكوماتنا، مغيّبون عن خرائط استراتيجياتها التنمويّة، وأقرب لأن يكونوا أحمالاً زائدة ينبغي التخفف منها! كما أن الذين وصلوا إلى مواقع مسؤولية بوصفهم كتّاباً وشعراء؛ لم يكن منهم إلاّ العمل على تسخيف الفعل الثقافي باستبعاد المبدعين الحقيقيين، أو الحطّ من قيمتهم لدى الأعلى منهم في اتخاذ القرار وبشتى الوسائل، ليكون المرء منهم هو الواحد ، و الوحيد ، و الأول ! كأنما الغابة ليست سوى شجرة معرفتهم . أما غيرهم؛ فمجرد عيدان حطب تُحْرَق ليتدفأوا بها!
على صعيدي الشخصي، لا يسعني سوى الشعور بالسعادة؛ إذ إن وصول أرض اليمبوس لتكون ضمن القائمة القصيرة لجائزة بوكر العربيّة، إنما يعني في أحد وجوه معانيه حضوراً ينبغي أن يتواصل للإبداع المُنْجَز في الأردن، حافراً في خريطة الواقع الثقافي العربي والعالمي أيضاً. كما يؤشّرُ على ضرورة الالتفات إلى الطاقات المبدعة الأصيلة لدى الأجيال كافةً.
؟ لندخل بوابة الرواية: من أين انبثق عنوانها؟ هناك سؤال عن معناه لمن لم يقرأ الرواية بعد، خصوصاً من جهة المفهوم الديني المسيحي؟
- لطالما كان لمفردة اليمبوس وقْعها الجاذب لي. أوّلاً لغرابة الاسم وإثارته لمخيلة الصبي الذي كُنتُهُ حين تلقيته للمرّة الأولى في درس الدين. كان ذلك في مدرسة الفرير ، في القدس، وهي تابعة لرهبانيّة كاثوليكيّة متبنيّة لمفهوم اليمبوس، بينما لم أكن قبلها قد سمعتُ به، إذ جئتُ من أُسرة أرثوذكسيّة يونانيّة الانتماء. وثانياً؛ لأنَّ اليمبوس منطقة رحيمة ناسَبَت مخيلة الصبي وروحه؛ فهي رَحْبَةٌ تثيرُ فيه حيوية تشكيل ما يشتهي من صُوَر. ليست الجَنّة وليست الجحيم، حيث رُسِمَ هذان العالمان على نحوٍ قاطع ومفهوم. أما اليمبوس؛ فعالَمٌ ثالث كَسَرَ ثنائيّة الأبيض والأسود، والخير والشَّر، متيحاً لِمَن ليسوا هنا أو هناك حيّزاً للخلاص!
وكذلك، لأنَّ حالة الما بَين شَكّلت لي موضوعةً مركزيّةً في الروايتين السابقتين - وعَلّها أحد ملامحي الداخليّة الغائرة عميقاً داخلي، إذ تتم ترجمتها في رفضي الدائم لأن أكون عند واحد من موقفين متناقضين يزعمُ كل واحد منهما حيازة الحقيقة . فالعالَمُ أكثر رحابةً وأوْسَع مدىً وغَنَيٌّ بالتعدد، وأنا لا أطيق اختزاله (وبالتالي اختزالي) في نقطتين وحيدتين حين الاحتكام إلى منطوقهما فتستقر حقيقته في نقطةٍ واحدة فقط! - أقول: ما دامت حالةُ الما بَين هي موضوعةٌ مركزيّةٌ في العملين السابقين، والرواية الأخيرة هي ثالثةُ هذه الثلاثيّة غير المُعْلَنَة؛ فإنَّ اليمبوس كجزء من عنوانها أو اسمها سيكون إعلاناً مضمراً وصريحاً في الوقت نفسه لجوهر المعنى الكامن فيها. إضافةً إلى مجاورة ما هو مادي ومحسوس في مَشاهد القدس، ورهبان المدرسة، والأرض الحَرام بين القدس الشرقيّة والغربيّة قبل الاحتلال، لِمْا هو مَجازي بحيث تتسّع الدلالات ويغتني التأويل.
؟ اليمبوس هي المنطقة الوَسَط، بحسب المفهوم الكاثوليكي، أو الثالثة ما بين الجنة والجحيم، أو منطقة الما بين . إلى أي مدى تتشابك وتتقاطع مع ما يُسمّى المنزلة بين المنزلتين عند المعتزلة، وهي أشهر الفِرَق الاسلامية؟
- في الحقيقة أنا لم أفكّر، عند كتابة الرواية، بمقولة المعتزلة المنزلة بين المنزلتين ، رغم معرفتي المنهجيّة بها؛ إذ كانت مثلها مثل اليمبوس مصدر جَذب، ولكن لإعمال العقل هذه المرّة لا المخيلة - فلقد كبرَ الصبي الذي كُنتُهُ وباتَ شابّاً يدرس الفلسفة كتخصصٍ أساس. وعَلَّ صداها كاجتهادٍ عبقري انشبكَ مع اليمبوس دون وعيٍ حاضر، مما نتجَ عنه موقفي حيال مسألة الاختيار المرفوض مني لأن أكون هنا .. أو هناك! لا شك، ثمة تقاطُع وتَدَاخُل بين هذين المفهومين رغم اختلاف المصدر والغاية. ف اليمبوس اجتراحٌ لاهوتي أُتيَ به من أجل إيجاد حَلٍّ لمعضلة المصير ما بعد الموت لفئةٍ من الناس. بينما المنزلة بين المنزلتين اجتهادٌ عَقلي خالص احتكمَ إلى المنطق الفلسفي ليطرحَ مَخْرَجاً لثنائيّة منزلتي الإيمان والاجتهاد، أو التوفيق بين النَقْل والعقل.
؟ ما المدة الزمنيّة التي استغرقتها في كتابة هذه الرواية؟
- لم تستغرقني كتابة الرواية، بمعنى التفرّغ للورق كفعلٍ كتابي، سوى سنة واحدة وستة شهور، بحسب التوثيق في نهاية النَّصّ (من 5/5/2005 إلى 8/11/2006)، وهي أقصر مدة انشغلتُ خلالها بكتابة رواية، مقارنةً بسابقتيها. ف قامات الزبد اقتضى العمل على إنجازها أربع سنوات وشهرين (من أيار 1983 إلى شباط 1987). أما أعمدة الغبار فانشغلتُ بها ست سنوات وستة شهور (من 7/1/1989 إلى 1/6/1995). غير أنَّ ثمة فَرْقاً بين الانشغال بالرواية تفكيراً، وتقليب أوجُه، وافتراضات، بمعنى التهيؤ للكتابة، وبين الكتابة كاشتغالٍ كِتابي يومي.
؟ هل من خصوصيّة في طقسك الكتابي الخاص بها اختلفت عن غيرها من رواياتك؟
- طبعاً، رغم ثبات بعض العادات ورسوخها. فهي المرّة الأُولى التي أكتبُ فيها يوميّاً، دون انقطاع تقريباً، وفي الليل خِلافاً لطبيعتي كإنسانٍ نَهاري. بينما كُتِبَت الروايتان السابقتان غالباً في صباحات أيام الجمعة، وعلى نحوٍ متقطع وصل أحياناً مدة شهور، وخلال بعض أيام الأسبوع بعد الظهر. فأنا لستُ بقادرٍ على توفير حالة التفرّغ كما أشتهي، خاصةً حين تتأجج الروايةُ داخلي، حتّى الآن. وربما حُبّي لعملي في دار النشر يُغريني ويُغرقني، فأنصرف إليه عن الرواية متعللاً بأنَّ الولادة الحقيقيّة لم يحن ميقاتها بعد!
لكن الخصوصيّة في كتابة هذه الرواية تحديداً جاءت من لجوئي إلى طباعة النصّ، المكتوب باليد على الورق أوّلاً، على كمبيوتري الشخصي. فعبر عملية النَقْل هذه أو التبييض الإلكتروني صار لي أن أعدتُ تركيب عدد من المَشاهد ونقلها بسهولة من أماكنها الأُولى حيث أطْلَقَت لعمليّة البناء وإعادة البناء حَيّزاً أرحب حررني من عِبء تمزيق الورق والكتابة من جديد. لكنني أكتب بالقلم الحميم حتّى الآن وعلى ورقٍ أليف.
هكذا تكون الولادات كما أحبها، أو كما اعتدتها طوال الثلاثين سنة الماضية، فباتت تحملُ عبر آليتها معنىً من معاني الكتابة . أنا أكتبُ ولا أطبع !
؟ هل أطلعتَ عليها بعض الأصدقاء أثناء الكتابة؟ أم إنكَ لا تُشرك أحداً في القراءة الأولى إلاّ بعد نشرها؟
- ليس من عادتي اطلاع أحد على المراحل أو الفصول التي أنجزتها أثناء الكتابة، والسبب بسيط: إنَّ المُنْجَز المكتوب لا يتعدّى حالة إسقاط المادة الخام على الورق، وبالتالي فهو ليس نهائيّاً، إذ سوف يتعرّض للتغيير والتعديل من حيث كونه كتابة غير منتهيّة. كما أنه قابلٌ للإلغاء أحياناً، أو النَقْل من فصلٍ تالٍ إلى آخر سابق. إنَّ بناء الرواية بحسبي إنما يتم عبر الكتابة نفسها، تماماً مثلما تتكشفُ وتنبسطُ ملامحها خلال حركة البناء، وهذا بدوره يدلل على أنَّ مفاجأة النَصّ لي، ككاتبٍ له، لهو احتمالٌ دائم ومستمر ما دامت الرواية قيد الكتابة ولم تنته بعد.
إزاء هذه الحيثيّة، كيف لي أن أطلع أحداً من الأصدقاء على نَصٍّ ناقص، ومتحرك، لم يستقر؟
لكنَّ هذا لا يمنعني من اطلاع واحد أو اثنين على بضعة مشاهد، علّهم يزودونني بإشارةٍ ما تخصّ اللغة؛ إذ كثيراً ما أُواجَه بأنها (أي لغتي) صعبة تحتاج إلى أكثر من قراءة واحدة.
؟ ما طقس دخولك للرواية، بمعنى ما القراءات التي استعدتها، أو تهيأتَ بها لدخول جو الرواية التي تؤرخ لأكثر من 50 سنة؟
- الاستعادة عادةً ما تكون عبر الذاكرة. فالحصيلة المعرفيّة تحتشدُ لحظة الانكباب على رسم أو كتابة مشهد يعود إلى حقبة محددة لتطلقها الذاكرة بالتدريج. إنها ذاكرة المعرفة المتأتيّة عن القراءات المتراكمة ذات الصِّلة بالمشهد والحقبة، وكذلك بتاريخي الشخصي مع تفاصيل خاصة بتلك الحقبة. غير أن ذلك لا ينفي اضطراري للعودة إلى كتابات قديمة كنتُ سجّلتُ فيها أمشاجاً، أو لتأمُّل مجموعة صُوَر خاصة وعامة تعيد للأمكنة طزاجتها في الذاكرة، أو إلى كُتبٍ تسعفني في استحضار اللحظة وتصويب حدودها.
؟ كتبَ عنها كثيرٌ من النقّاد والكتّاب مشيرين إلى أنها تمس التطور الاجتماعي والسياسي لعمّان، وتشابكها مع القضية المركزيّة (فلسطين)، كيف تمكنتَ من الجمع بين العام والخاص بشفافيّة واضحة؟
- أعدّ نفسي ابنَ عمّان بامتياز، وكثيراً ما رددتُ على الملأ بأنني كائنٌ عَمّاني . ولأنني هكذا، ولأنَّ عمّان هي الحاضنة الأكبر في الأردن لجميع الحشود الاجتماعيّة الآتية من أُصولٍ ليست أردنيّة خالصة (وأنا من ضمنها)؛ كان أن توفَرَت لي الرؤية القادرة على ملاحظة تسلسل التطور الاجتماعي والسياسي لها كمدينةٍ جامعة وصاهرة.
فالخاص والعام في داخلي منسجمان متداخلان يثير الواحدُ منهما الثاني، فيتحوّل التاريخ الشخصي ليكون تاريخ الجماعة، مثلما يتماهى تاريخ الجماعة بتاريخي الشخصي. وربما حين التدقيق بحالةٍ كهذه، يصيرُ لي أن أُفَسّرَ مقولةً كنتُ أطلقتها قبل أكثر من عشر سنوات، ومفادها: أنا ابنُ عمّان، لكني أحد بُناتها في الوقت نفسه! ، فكيف لا يحدثُ التشابك داخل النصّ بين عمّان وفلسطين بينما الشخصيات الفلسطينيّة، بما تمثّل كحالاتٍ خاصة ليست منفصلة عن حالة الهجرة الكبرى والتهجير القسري، تعيش معي وأتعايش معها يومياً، حيث نتبادل الخبرات والحكايات؟ حينها، تتحوّل حكاياتها لتصبحَ حكاياتي أنا، وبها أبني ذاكرة المدينة التي ترتبط بآصرة المصير مع فلسطين وقضيتها: ففلسطين قضية شعب وأرض، وها الشعب معي وفي داخلي مثلما يتنامى خارجي جيلاً بعد جيل، ويشاركني في بناء عمّان وتأثيث ذاكرتها الجمعيّة.
؟ قوبلت أرض اليمبوس بعشرات المقالات، منها ما نُشر في الصحف الأردنيّة والعربيّة، وحتّى الصحف التي تصدر في أوروبا. هل أنصفَ النقّاد هذه الرواية؟ هل أنصفوا كاتبها؟
- الإنصاف في سياق هذا السؤال كلمة شائكة لأنها ملتبسة بسبب أنها، رغم حمولتها بالمعنى المطلق، تحتملُ النسبيّة في الوقت نفسه.
كيف يرى الكاتبُ، ومن زاويته تحديداً، مسألة إنصاف روايته؟ إنَّ رؤيته ستكون رؤية نسبيّة بالتأكيد، مثلما هي حالة الإنصاف كما تتبدى لي حيال أرض اليمبوس ، إذ هي ليست حالة كاملة. وأستدرك لتفسير مفهومي ل حالة الإنصاف الكامل فأقول: إنَّ ما كُتب حتى الآن عن الرواية كان كثيراً بالمقارنة مع ما كُتب عن سابقتيها. وإنَّ ما فُحِصَ داخل الرواية كان نوعيّاً بالمقارنة مع مفحوصات الروايتين السابقتين. وفي حدود هاتين النقطتين؛ فإنَّ إنصافاً ما قد لحقَ بالرواية ولا مجال للتشكيك فيه. غير أنَّ رؤيةً كهذه، بما تتضمن من أسئلة عن الكتابة نفسها وبما تحمل من مجازات مضفورة بوقائع محسوسة وشخصيات و لُغات ؛ فلقد جافاها الانصاف على نحوٍ نسبي.
أنا لا أنكر فَرَحي بمقدار الانصاف الذي لقيته الرواية ولا أستهين به؛ لكنني من الذين يؤمنون بأنَّ النصّ الروائي، والحديث خصوصاً بمعنى كيفيّة الكتابة من الداخل، ما يزال بحاجة لمزيد من الدراسات تحفرُ في مستوياته المتوفرة فيه.
؟ وصفت لجنة التحكيم تجربتك في أرض اليمبوس بقولها: وَحَّدَ فيها بنية السيرة الذاتيّة لإنسانٍ محدد الهوية والانتماء، وسيرة الإنسان بشكل عام، متحدثاً عن سطوة الزمن وهشاشة الانسان وقوته، بلغة مشرقة نضرة، مدرجاً في العمل مجموعة من الأصوات المتنوعة . إلى أي مدى تعكس الرواية شعورك بالاغتراب؟
- اغترابي اغترابٌ مندهش مذهول حيال ما يجري حولي من انتكاسات طالت المجتمع، والسياسة، والقيم الفرديّة والجماعيّة العامة، وبالتالي هو اغترابٌ يقاربُ الفجيعة! فمن حربٍ خاسرة إلى حربٍ كارثة. ومن معارك مع العدو ننهزمُ فيها دون أن نشتبكَ حقاً، إلى معارك مع بعضنا بعضاً نحاربُ حتّى بالأظافر والأسنان، فننجح بنهش لحمنا، لكننا نُهْزَمُ بأيدينا!
الاغترابُ بهذه المعاني كان ماثلاً في الرواية -كأني أقول إني واحدٌ من هذا الكُل الكبير المهزوم، لكنني لستُ بمنهزم في الحيّز الفردي؛ إذ لم تُتْرَك لي فرصة الاشتباك. خسرتُ معارك كانت معاركهم ولم تكن معاركي . كانت معارك الحُكّام بعبقريتهم الهشّة ، غير أننا كمحكومين كُنّا الضحايا لأوهامٍ نسجوها حولنا كالشرانق وكَبّلونا بها، فوقعنا في مصائد أعدائنا في الخارج، وأشداق الجَهْل والفساد في الداخل.
لقد حاولتُ النفاذ إلى اغترابي هذا ونجحتُ، بدلالة ما أتت به لجنة التحكيم؛ غير أني لستُ على ثقة بالمدى الذي وصلتُ إليه. فلنترك الاجابة، وهي نسبيّة على أي حال، لكل قارىء للرواية وبحسبه.
؟ تعتمد أسلوب الاسترجاع (الفلاش باك) في كتابتك الروائية، وهو أسلوب سينمائي يصور ويستشرف ويشرح، فضلاً عن تعدد الأصوات، الغائب منها والحاضر. إلى أي مدى استلهمتَ السينما في روايتك؟
- لطالما كانت السينما أحد عناصر تكويني التخييلي. أذكرُ أن أبي اعتاد القول كلّما طلبتُ منه السماح لي بالذهاب إلى السينما حين كنتُ صبيّاً: أنتَ إذا عصرتكَ، فلسوف تخرجُ منكَ الأفلام! . كان ذلك منذ بداية وعيي على العالم، فبدوتُ وكأني أوائمُ بين هذا العالم الواقعي والعالم المتخيّل كخيالات تتحرك على شاشة السينما، بحيث انمحت المسافة بينهما فشكّلا عالماً واحداً في داخلي.
بالكتابة، وهي عمليّةُ حَفْرٍ أمارسها لداخلي غالباً، تستحيلُ مَشاهدُ الرواية إلى مُقتَطعات قائمة بذاتها-إنْ قرأناها هكذا. وكذلك، يمكن من خلال وعيٍ فني وقدرة تأويلٍ ورَبْط أن تنشبك تلك المَشاهد المقتطعة لتشكّلَ بانوراما الرواية بمستوياتها كافة. وكما أرى، فإنَّ تقطيعاً سينمائيّاً (مونتاج) أصاب الرواية، فساعدني في التنويع على مبدأ التشظيّة للزمان، وللشخصيات، وللأحداث.
؟ الدمج بين المرأة والحرب، في مستهل الرواية وفي خاتمتها؛ كيف ينظر الروائي فيكَ للمرأة؟ وما العلاقة بينهما -المرأة والحرب؟
- ربما يشكِّلُ صوت الروائي القابع في داخلي بلاغةَ أو انكشاف المعنى الذي أختزنه للمرأة. وربما هي المرّة الأُولى التي عثرتُ فيها، عبر الكتابة، عن طبيعة الصِلة الواصلة بينها وبين الحرب. هنالك تلازُمٌ بينهما على امتداد الرواية، اعترفتُ من خلاله ببديهيّة أنَّ المرأة تُناقِضُ الحربَ في كونها عنصر إخصابٍ ومساحة لواذٍ للرجل، بينما تمثّل الحرب العنصر النافي، والمدّمر، والقاتل، والإجداب. فغالباً، وعند ورود الحرب في المَشهد، أجدني باثّاً فيه المرأةَ كأنما هي ملاذي وعلى صدرها أبيحُ لبوحي عن ضعفي حريّة الانطلاق.
غير أنَّ هذا ليس إلاّ وجهاً من وجوه التقابُل بينهما، وهو تقابُلٌ ضِدي ومتكرر وعام. الجديد الذي أتت به الرواية، عبر الكتابة وليس قبلها كفكرةٍ مسبقة، كان كشطي لهذه الطبقة من العلاقة وإظهار أنَّ التلازم لا يكون بالضرورة، ودائماً، تلازماً لعنصرين أو كينونتين متناقضتين. فالحربُ، بالنسبة للرجل، هي هي امتحانه لرجولته وذكورته حيال المرأة. ثمة ما يقاربُ التوتر في المساحة بينه وبينها. وغالباً لا يستند هذا التوتر إلى ما يُفسّره -وأنا أقصد الرجل هنا-، حيث انه كلّما تخطاها مقترباً منها وداخلاً عالمها، باتت هي الكاشفة له عنه لا عنها!
بالحربِ نمتحنُ جوهرنا الصامد أمام محسوس الموت ومَجازه. وبالمرأة نفحصُ جوهرنا الحائر حيال الفكرة / الإرث أننا، كرجال، الأطول صبراً والأنفذ فكراً والأكثر حكمةً والأقلّ عاطفةً. وهنا تحديداً نسقطُ، كرجالٍ بالعموم، في الامتحان؛ إذ كانت مريم أو ماسة أو العَمَّة أو منتهى الذوات الأسطع حضوراً من شخصيات الرواية الذكوريّة! فنحن، عبر علاقتنا ذات الأوجه المتعددة بالمرأة، نفاجأ بأننا لحظة اعتقادنا باقترابنا منها إنما نكون اقتربنا فعلاً من عَرضنا لأنفسنا دون مبالغة على شاشة وعيها.
العلاقة بين المرأة والحرب لدى الرجل علاقة ملتبسة تحتمل أكثر من وجه، وتحمل أكثر من معنى، ولهذا كانت وستبقى موضوعة أساسيّة من موضوعات الرواية المتحركة في فضائهما.
؟ ماذا بعد اليمبوس ؟ وهل تخشى خوض حرب رواية جديدة قد تتفوق أو لا تتفوق عليها، خصوصاً وأنها حظيت بعناية نقديّة و جوائزيّة فائقة لم تحظ بها أي من روايتيك السابقتين؟
- نعم. باتت أرض اليمبوس أرضاً تتحداني وتتحدى أي مشروع كتابي أُقْدِمُ عليه. وهذا ليس بالأمر الهيّن أبداً؛ إذ عَليَّ ارتقاء قامتها أو جدارها والنظر إلى ما بَعدها بتجاوزها. علّمتني هذه الرواية أنَّ مفهوم التواضُع ليس مقبولاً في الفن، وأنَّ غرور التفوق يشكّلُ شرارةَ إشعال.
؟ سؤال تعمدتُ تأخير طرحه: هل كنتَ تتوقع أن تفوز روايتك بجائزة السبول؟ وهل لفوزها هذا علاقة بترشيحها لجائزة البوكر؟
- لا علاقة لجائزة تيسير سبول بترشيح الرواية لجائزة البوكر العربيّة؛ فلقد كان قرار لجنة القراءة جاهزاً لدى تسلّم الهيئة الإداريّة الجديدة لمسؤولياتها. أما التأخير في الإعلان فكان سببه محاولتها رفع القيمة الماليّة لهذه الجائزة ولجميع جوائز الرابطة. لكن النظام الداخلي أو اللوائح الخاصة بالجوائز كان يقتضي التعديل لينصّ صراحةً على ذلك، كما لا يُعمل به بأَثَر رَجعي.
لقد عمل ترشيح الرواية للبوكر على الإسراع بإعلان نتيجةٍ سابقة الحدوث، وليست لاحقة له.

 
 
Contents © 2004-2007, Elias Farkouh